الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٣ - سادات بكر يشفعون له عند الحجاج
فقال له يزيد: عرّضت بنا و خاطرت بدمك، و باللّه لا يصل إليك و أنت في حيّزي، فأمر له بخمسين ألف درهم، و حمله [١] على أفراس، و قال له: الحق بعلياء نجد، و احذر أن تعلقك حبائل الحجاج أو تحتجنك محاجنه [٢]، و ابعث إليّ في كل عام، فلك عليّ مثل هذا، فارتحل. و بلغ الحجاج خبره، فأحفظه ذلك على يزيد، و طلب العديل، ففاته، و قال لما نجا:
و دون يد الحجاج من أن تنالني
بساط لأيدي الناعجات عريض
قال: ثم ظفر به الحجاج بعد ذلك، فقال: إيه، أنشدني قولك:
و دون يد الحجاج من أن تنالني
فقال: لم أقل هذا أيها الأمير، و لكني قلت:
إذا ذكر الحجاج أضمرت خيفة
لها بين أحناء الضلوع نفيض
فتبسم الحجاج، و قال: أولى لك! و عفا عنه، و فرض له.
سادات بكر يشفعون له عند الحجاج
و قال أبو عمرو الشيباني: لما لجّ الحجاج في طلب العديل لفظته الأرض، و نبا به كلّ مكان هرب إليه، فأتى بكر بن وائل، و هم يومئذ بادون جميع، منهم بنو شيبان/ و بنو عجل و بنو يشكر، فشكا إليهم أمره، و قال لهم: أنا مقتول،/ أ فتسلمونني، هكذا و أنتم أعزّ العرب؟ قالوا: لا و اللّه، و لكنّ الحجاج لا يراغ، و نحن نستوهبك منه، فإن أجابنا فقد كفيت، و أن حادّنا في أمرك منعناك، و سألنا أمير المؤمنين أن يهبك لنا. فأقام فيهم، و اجتمعت وجوه بكر ابن وائل إلى الحجّاج، فقالوا له: أيها الأمير، إنا قد جنينا جميعا عليك جناية لا يغفر مثلها، و ها نحن قد استسلمنا، و ألقينا بأيدينا إليك، فإمّا وهبت فأهل ذلك أنت، و إمّا عاقبت، فكنت المسلّط الملك العادل. فتبسّم، و قال: قد عفوت عن كل جرم إلا جرم الفاسق العديل، فقاموا على أرجلهم، فقالوا: مثلك أيها الأمير لا يستثني على أهل طاعته و أوليائه في شيء فإن رأيت ألّا تكدّر مننك باستثناء، و أن تهب لنا العديل في أول من تهب! قال: قد فعلت فهاتوه قبّحه اللّه، فأتوه به، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:
فلو كنت في سلمى أجا و شعابها
لكان لحجّاج عليّ دليل
بني قبة الإسلام حتى كأنّما
هدى الناس من بعد الضلال رسول
إذا جار حكم النّاس ألجأ حكمه
إلى اللّه قاض بالكتاب عقول
خليل أمير المؤمنين و سيفه
لكل إمام صاحب و خليل
به نصر اللّه الخليفة منهم
و ثبّت ملكا كاد عنه يزول
- و يروي: به نصر اللّه الإمام عليهم-
فأنت كسيف اللّه في الأرض خالد
تصول بعون اللّه حين تصول
[١] في س، ب «و أمر له».
[٢] محاجنه: عصيه المعوجة التي يختجن الناس بها كالخطاطيف.