الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٩ - عود إلى تخنثه و دورانه في فلك عمر بن أبي ربيعة
له: دونك. فقال: يا أبا الخطاب أحسن و اللّه ريسان العذرى- قاتله اللّه- قال: و فيم أحسن؟ قلت: حيث يقول:
لو جزّ بالسيف رأسي في مودّتها
لمال لا شك يهوي نحوها رأسي
فقال: نعم أحسن، فقلت: يا أبا الخطاب، و أحسن و اللّه تحيّة بن جنادة العذريّ، قال: في ما ذا؟ قلت: حيث يقول:
سرت لعينيك سلمى بعد مغفاها
فبتّ مستوهنا من بعد مسراها
فقلت: أهلا و سهلا من هداك لنا
إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
و في رواية الزبير خاصة:
تأتي الرياح من نحو أرضكم
حتى أقول: دنت منّا بريّاها
و قد تراخت بها عنّا نوّى قذف
هيهات مصبحها من بعد ممساها [١]
من حبّها أتمنّى أن يلاقيني
من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول: فراق لا لقاء له
و تضمر اليأس نفسي ثم تسلاها
/ و لو تموت لراعتني و قلت لها:
يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
و يروى.
... لراعتني منيّتها
و قلت يا بؤس ليت الدهر أبقاها
فضحك عمر ثم قال: يا ويحه أحسن و اللّه، لقد هيجتما عليّ ما كان ساكنا مني فلأحدّثنكما حديثا حلوا: بينا أنا أوّل أعوامي جالس إذا بخالد الخريت قال: مررت بأربع نسوة قبيل [٢]، يردن ناحية كذا و كذا من مكة، لم أر مثلهن قط، فيهن هند، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن، و لا يعلمن؟ فقلت: و كيف لي بأن يخفى ذلك؟ قال: تلبس لبسة الأعراب، ثم تقعد على قعود، كأنك تنشد ضالة، فلا يشعرن حتى تهجم عليهن، قال:
فجلست على قعود. ثم أتيتهنّ فسلّمت عليهن، فآنسنني، و سألنني أن أنشدهن، فأنشدتهن لكثيّر و جميل و غيرهما، و قلن: يا أعرابي، ما أملحك، لو نزلت، فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت، فأنخت قعودي، و جلست معهن، فحدثتهن، و أنشدتهن، فدنت هند، فمدّت يدها، فجذبت عمامتي، فألقتها عن رأسي، ثم قالت: تاللّه لظننت أنك خدعتنا، نحن و اللّه خدعناك، أرسلنا إليك خالدا الخرّيت في إتياننا بك على أقبح هيئتك، و نحن على أحسن هيئتنا. ثم أخذن بنا في الحديث، فقالت إحداهن: يا سيدي لو رأيتني [٣] منذ أيام، و أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي/ في جيبي، فنظرت إلى حرى، فرأيته ملء العسّ و القسّ [٤] فصحت: يا عمراه! فصحت [٥]: لبيك
[١] قذف: بعيدة تتقاذف بمن تصيبه، مصبح و ممسى: مصدران ميميان، أو اسما مكان أو زمان من أصبح و أمسى، و في هد، هج
«هيهات مصبحها عنا و ممساها»
. [٢] قبيل: متشابهات.
[٣] في هد «لقد رأيتني» بضم التاء.
[٤] العس: القدح الكبير، أما القس فلا مكان له هنا، و نرجح أنهما تحريف «العين و النفس».
[٥] تاء «صحت» الأولى ضمير المرأة المتحدثة، و تاء «صحت» الثانية ضمير ابن أبي ربيعة.