الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٣ - جنوب ترعى عهده
و هل ريبة في أن تحنّ نجيبة
إلى إلفها أو أن يحنّ نجيب
يراها فلا يستطيع مخاطبتها
و قال أبو عمرو خاصة: حدثنا فتيان من بني جعدة أنها أقبلت ذات يوم، و هو جالس في مجلس فيه أخوها، فلما رآها عرفها، و لم يقدر على الكلام بسبب أخيها، فأغمي عليه، و فطن أخوها لما به، فتغافل عنه، و أسنده بعض فتيان العشيرة إلى صدره، فما تحرك، و لا أحار جوابا ساعة من نهاره، و انصرف أخوها كالخجل، فلما أفاق قال:
ألمّت فما حيّت و عاجت فأسرعت
إلى جرعة بين المخارم فالنّجر [١]
خليليّ قد حانت وفاتي فاحفرا
برابية بين المخافر و البتر [٢]
لكيما تقول العبدليّة كلما
رأت جدثي: سقّيت يا قبر من قبر [٣]
جنوب ترعى عهده
و قال المدائني في خبره: انتجع أهل بيت جنوب ناحية حسى و الحمى، و قد أصابها الغيث، فأمرعت، فلما أرادوا الرحيل وقف لهم مالك بن الصّمصامة، حتى إذا بلغته جنوب أخذ بخطام بعيرها، ثم أنشأ يقول:
/
أريتك إن أزمعتم اليوم نيّة
و غالك مصطاف الحمى و مرابعه [٤]
أ ترعين ما استودعت أم أنت كالذي
إذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت، و قالت: بل أرعى و اللّه ما استودعت، و لا أكون كمن هانت عليه ودائعه، فأرسل بعيرها، و بكى، حتى سقط مغشيّا عليه، و هي واقفة، ثم أفاق، و قام، فانصرف و هو يقول:
/
ألا إنّ حسيا دونه قلّة الحمى
منى النفس لو كانت تنال شرائعه [٥]
و كيف و من دون الورود عوائق
و أصبغ حامي ما أحبّ و مانعه [٦]
فلا أنا فيما صدّني عنه طامع
و لا أرتجي وصل الذي هو قاطعه
صوت
يا دار هند عفاها كلّ هطّال
بالخبت مثل سحيق اليمنة البالي [٧]
[١] عاجت: رجعت، الجرعة: الأرض ذات الحزونة، المخارم و النحر: مكانان.
[٢] في هد، هج:
«إن حانت»
بدل
«قد حانت»
، و في هج:
«بين المحاضر و البئر»
بدل
«لي بالمخافر و البتر»
و في هد:
«برابية لي بالمحاضر و البئر»
و كلها أسماء أماكن.
[٣] العبدلية يعني بها حبيبته، و في هد «حييت» بدل «سقيت».
[٤] نية: رحلة و بعدا، غالك: أخفاك عني.
[٥] قلة كل شيء: أعلاه، يريد أن علية الحمى حلوا بحسى، منى النفس: بدل من «قلة الحمى»، شرائع: جمع شريعة، و هي مورد الماء كالغدير و نحوه.
[٦] يريد الأصبغ أخا جنوب.
[٧] عفاها: محاها، و غير معالمها، الخبت: مكان، اليمنة: برد مخصوص يرد من اليمن.