الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٧ - اولاده يرثونه حيا
و ما أريت لهم إلا لأدفعهم
عني و يخرجني نقضي و إمراري [١]
حتى استغاثوا بأروى بئر مطّلب
و قد تحرّق منهم كلّ تمّار [٢]
و قال أوّلهم نصحا لآخرهم:
ألا ارجعوا و اتركوا الأعراب في النار
جاريته تخدعه
أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: حدثنا ابن الأعرابي، قال:
كان الجعد المحاربيّ أبو صخر بن الجعد قد عمّر حتى خرف، و كان يكنى أبا الصّموت؛ و كانت له وليدة [٣] يقال لها سمحاء، فقالت له يوما: يا أبا الصّموت، زعم بنوك أنك إن متّ قتلوني، قال: و لم؟ قالت: مالي إليهم ذنب غير حبّي لك، فأعتقها على أن تكون معه، فمكثت يسيرا، ثم قالت له: يا أبا الصّموت، هذا عرابة من أهل المعدن يخطبني، قال: أين هذا مما قلت لي؟ قالت: إنّه ذو مال، و إنما أردت ماله لك،/ قال: فأتني [٤] به، فأتته فزوّجه إياها، فولدت له أولادا، و قوّته بما كانت تصيبه من الجعد، و كانت/ تأتي الجعد في أيّام، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فأنشأ الجعد يقول:
أمسى عرابة ذا مال و ذا ولد
من مال جعد و جعد غير محمود
تظل تنشقه الكافور متكئا
على السرير و تعطيني على العود
من قوله لامرأته
قال و الجعد هو القائل لامرأته:
تعالجني أمّ الصّموت كأنما
تداوي حصانا أوهن العظم كاسره [٥]
فلا تعجبي أمّ الصّموت فإنّه
لكل جواد معثر هو عاثره
و قد كنت أصطاد الظباء موطّئا
و أضرب رأس القرن و الرمح شاجره [٦]
فأصبحت مثل العشّ طارت فراخه
و غودر في رأس الهشيمة سائره [٧]
اولاده يرثونه حيّا
فلما كبر حمله بنوه، فأتوا به مكة، و قالوا له: تعبّد هاهنا، ثم اقتسموا المال، و تركوا له منه ما يصلحه، فقال:
[١] ضمير «لهم» يعود على الناس، الإمرار: فتل الحبل و نحوه، النقض: ضد الفتل، و يريد بالنقض و الإمرار: المراوغة و الخداع، يريد أنني كنت أظهر نفسي للناس، ثم أغير الطرق، لأضلل المقتفين أثرى، و في هد:
« ما أريتهمو»
بدل
« ما أريت لهم»
. [٢] الأروى: إناث الوعول، و بئر مطلب: المكان الذي نزل فيه سيار و رفقته، و الكلام مسوق مساق التهكم، أي أنهم نزلوا بئر مطلب، و أكلوا فيه التمر، و جعلوا يسألون الوعول عنه، و قد تحرق من الغيظ كل آكل تمر منهم.
[٣] وليدة: جارية.
[٤] «فأتتني» كذا بالأصل، و القياس «فأتيني» بإثبات ياء المؤنثة.
[٥] الهاء من كاسره تعود على الحصان لا على العظم.
[٦] موطئا: منحدرا، شاجره: داخل فيه مشتبك به.
[٧] الهشيمة: الشجرة البالية، سائرة: باقية.