الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٤ - تموت كأس فيرثيها
مررت على خيمات كأس فأسبلت
مدامع عيني و الرياح تميلها
/ و في دارهم قوم سواهم فأسبلت
دموع من الأجفان فاض مسيلها
كذاك الليالي ليس فيها بسالم
صديق و لا يبقى عليها خليلها
و قال و هو بالشام:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا
عن العهد أم أمسى على حاله نجد؟
و عهدي بنجد منذ عشرين حجّة
و نحن بدنيا ثمّ لم نلقها بعد
به الخوصة الدهماء تحت ظلالها
رياض بها الحوذان و النّفل الجعد [١]
قال: و مرّ على غدير كانت كأس تشرب منه و يحضره أهلها و يجتمعون عليه، فوقف طويلا عليه يبكي و كان يقال لذلك الغدير جنان فقال صخر:
بليت كما يبلى الرّداء و لا أرى
جنانا و لا أكناف ذروة تخلق [٢]
ألوّى حيازيمي بهنّ صبابة
كما تتلوّى الحيّة المتشرّق [٣]
تموت كأس فيرثيها
أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: قال السّعيديّ [٤]: حدثني سبرة مولى يزيد بن العوّام، قال:
/ كان صخر بن الجعد المحاربي خدنا لعوّام بن عقبة، و كان عوّام يهوى امرأة من قومه، يقال لها: سوداء، فماتت، فرثاها، فلما سمع صخر بن الجعد المرثية، قال: وددت أن أعيش حتى تموت كأس، فأرثيها، فماتت كأس، فقال:
على أمّ داود السلام و رحمة
من اللّه يجري كلّ يوم بشيرها
غداة غدا الغادون عنها و غودرت
بلمّاعة القيعان يستنّ مورها [٥]
و غيّبت عنها يوم ذاك و ليتني
شهدت فيحوى منكبيّ سريرها [٦]
و يروى: فيعلو منكبي.
[١] الخوص: ورق النخل و المقل و النار جبل و ما شاكلها، الحوذان: نبات عشبي، النفل: نبت طيب الرائحة أصفر الزهر، و في الأصل «بقل» و هو تصحيف.
[٢] جنان، و ذروة: مكانان.
[٣] الحيزوم: الصدر أو وسطه، الحية المتشرق: التي تحاول الدفء عند شروق الشمس.
[٤] في هج «السعدي» بدل «السعيدي».
[٥] لمّاعة القيعان: فلاة يلمع السراب أو البرق في زمانها، يستن: يسرع، المور: الغبار تطير به الرياح كل مطار.
[٦] يكنى بقوله: يحوي منكبي سريرها» عن احتضانها أو حملها إلى القبر، و يؤيد المعنى الثاني رواية «فيعلو» التي أشار اليها المؤلف، و هي أجود.