الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٨ - اليوم الثالث من أيام الفجار الأول
فوثب رجل من بني نصر بن معاوية، يقال له الأحمر [١] بن مازن بن أوس بن النابغة، فضربه بالسيف على ركبته، فأندرها [٢]، ثم قال: خذها إليك أيها المخندف، و هو ماسك [٣] سيفه، و قام أيضا رجل من هوازن، فقال:
أنا ابن همدان ذوي التّغطرف
بحر بحور زاخر لم ينزف [٤]
نحن ضربنا ركبة المخندف
إذ مدّها في أشهر المعرّف [٥]
و في هذه الضربة أشعار لقيس كثيرة لا معنى لذكرها.
اليوم الثاني من أيام الفجار الأول
ثم كان اليوم الثاني من أيام الفجار الأول، و كان السبب في ذلك أن شبابا من قريش و بني كنانة كانوا ذوي غرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة و سيمة، و هي جالسة بسوق عكاظ في درع و هي فضل [٦] عليها برقع لها، و قد اكتنفها شباب من العرب، و هي تحدثهم، فجاء الشباب من بني كنانة و قريش، فأطافوا بها، و سألوها أن تسفر، فأبت، فقام أحدهم، فجلس خلفها، و حل طرف ردائها [٧]، و شدّه إلى فوق/ حجزتها [٨] بشوكة، و هي لا تعلم، فلما قامت انكشف درعها عن دبرها، فضحكوا، و قالوا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى دبرك، فنادت: يا آل عامر! فثاروا، و حملوا السلاح، و حملته كنانة، و اقتتلوا قتالا شديدا، و وقعت بينهم دماء، فتوسط حرب بن أمية، و احتمل دماء القوم، و أرضى بني عامر من مثلة [٩] صاحبتهم.
اليوم الثالث من أيام الفجار الأول
ثم كان اليوم الثالث من الفجار الأول، و كان سببه أنّه كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من بني كنانة فلواه [١٠] به، و طال اقتضاؤه إياه، فلم يعطه شيئا، فلما أعياه، وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد، ثم جعل ينادي: من يبيعني مثل هذا الرّبّاح [١١] بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ من يعطيني مثل هذا بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ رافعا صوته بذلك، فلما طال نداؤه بذلك و تعبيره به كنانة مرّ به رجل منهم، فضرب القرد بسيفه، فقتله، فهتف به الجشميّ: يا آل هوازن، و هتف الكنانيّ: يا آل كنانة، فتجمع الحيان فاقتتلوا، حتى تحاجزوا، و لم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا، و قالوا: أ في ربّاح تريقون دماءكم، و تقتلون أنفسكم؟ و حمل ابن جدعان ذلك في ماله بين الفريقين.
[١] في بعض النسخ «الأحيمر» بالتصغير بدل الأحمر.
[٢] أندرها: أسقطها، و فصلها.
[٣] كذا في النسخ، و المسموع ممسك سيفه، أو ماسك بسيفه.
[٤] الشعر من الرجز- و في هد، هج
«أنا أبو الدهقان ذو التغطرف»
و لا يستقيم الوزن، و التغطرف: التيه و الخيلاء، لم ينزف: لم ينضب ماؤه.
[٥] في أشهر المعرف: في أشهر الوقوف بعرفات.
[٦] فضل: يقال: امرأة فضل- بضمتين- أي مختالة تسبل من فضل ردائها.
[٧] في هد، هج «طرف درعها».
[٨] الحجزة: معقد تكة السراويل، و في هج «فوق عجزها» بدل «فوق حجزتها».
[٩] من مثلة صاحبتهم: من تنكيلهم و تمثيلهم بها.
[١٠] لواه: ماطله.
[١١] الرباح: الذكر من القرود.