الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٩ - خصام و صلح في المنام؛ ثم في اليقظة
حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب، ثم خرجت جارية لها و معها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل فقرأها، و ضحك ضحكا شديدا، ثم رمى بها إلينا، فقرأناها و إذا فيها:
يا طيب تفاحة خلوت بها
تشعل نار الهوى على كبدي
أبكي إليها و أشتكي دنفي
و ما ألاقي من شدّة الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكت
من رحمتي هذه التي بيدي
إن كنت لا ترحمين ما لقيت
نفسي من الجهد فارحمي جسدي
قال: فو اللّه ما بقي أحد إلا استظرفها، و استملحها، و أمر المتوكل فغنىّ في هذا الشعر صوت شرب عليه بقية يومه.
وفاؤها للمتوكل بعد موته
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم.
أن جواري المتوكل تفرّقن بعد قتله، فصار إلى وصيف عدّة منهن، و أخذ محبوبة فيمن أخذ، فاصطبح يوما و أمر بإحضار جواري المتوكل، فأحضرن، عليهنّ الثياب الملونة،/ و المذهبة و الحلىّ، و قد تزيّنّ و تعطّرن إلا محبوبة فإنها جاءت مرهاء [١] متسلّبة [٢]، عليها ثياب بياض غير فاخرة، حزنا على المتوكل. فغنى الجواري جميعا، و شربن و طرب وصيف و شرب، ثم قال لها: يا محبوبة غنّي فأخذت العود، و غنّت و هي تبكي، و تقول:
أيّ عيش يطيب لي
لا أرى فيه جعفرا
ملكا قد رأته عي
ني قتيلا معفّرا [٣]
كلّ من كان ذا هيا
م و حزن فقد برا [٤]
غير محبوبة التي
لو ترى الموت يشترى
لاشترته بملكها
كلّ هذا لتقبرا
إن موت الكئيب أص
لح من أن يعمّرا
/ فاشتدّ ذلك على وصيف، و همّ بقتلها. و كان بغا حاضرا، فاستوهبها منه، فوهبها له، فأعتقها، و أمر بإخراجها، و أن تكون بحيث تختار من البلاد، فخرجت من سرّ من رأى إلى بغداد، و أخملت ذكرها طول عمرها.
خصام و صلح في المنام؛ ثم في اليقظة
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني ملاوي الهيثمي قال: قال لي عليّ بن الجهم:
كانت محبوبة أهديت إلى المتوكل أهداها إليه عبد اللّه بن طاهر في جملة أربعمائة جارية، و كانت بارعة
[١] مرهاء: غير مكتحلة.
[٢] متسلية: لابسة ثياب الحداد.
[٣] معفرا: ممرغا في التراب أو مضروبا به الأرض.
[٤] تخفيف برأ من مرضه، بمعنى شفي منه.