الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٨ - هل كان أبخر؟
اجتمعنا عند الفضل بن العباس بن المأمون، و معنا المسدود، و أحمد بن صدقة، و كان أحمد قد حلق في ذلك اليوم رأسه، فاستعجلوا بلافة كانت لهم، فأخذ المسدود سكرّجة [١] خردل، فصبتها على رأس أحمد بن صدقة و قال: كلوا هذه حتى تجيء تلك. فحلف أحمد بالطلاق ألا يقيم، فانصرف. و لما كان من غد جمعهما الفضل بن/ العباس، فتقدم المسدود، و دخل أحمد و طنبور المسدود موضوع، فجسّه، ثم قال: من كان يسبح في هذا الماء؟
فما انتفعنا بالمسدود سائر يومه، على أن الفضل قد خلع عليهما، و حماهما.
يقتله الأعراب و ينهبون ماله
و لم يزل أحمد مقيما، حتى بلغه موت بنيّة له بالشأم، فشخص نحو منزله، و خرج عليه الأعراب فأخذوا ما معه و قتلوه.
هل كان أبخر؟
قال جحظة:
و قال بعض الشعراء يهجو أحمد بن صدقة و كانت له صديقة فقطعته فعيّره بذلك و نسبها إلى أنها هربت منه لأنه أبخر:
هربت صديقة أحمد
هربت من الرّيق الرّدي
هربت فإن عادت إلى
طنبوره فاقطع يدي
صوت
أ لم تعلموا أنى تخاف عرامتي
و أن قناتي لا تلين على القسر
و إني و إياكم كمن نبّه القطا
و لو لم تنبّه باتت الطير لا تسري
أناة و حلما و انتظارا بكم غدا
فما أنا بالواني و لا الضّرع الغمر [٢]
أظنّ صروف الدهر و الجهل منكم
ستحملكم منّي على مركب وعر
الشعر للحارث بن وعلة الجرمي، و الغناء لابن جامع ثقيل بالبنصر عن عمرو، و فيه لسياط لحن ذكره إبراهيم و لم يجنّسه، و قيل إن الشعر لو علة نفسه.
[١] سكرجة: صحفة للطعام.
[٢] الضرع: الجبان. و الغمر: الغبي، و الذي لم يجرب الأمور.