الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٩ - يطلب على المنبر أن يطعموه ماء
بين أبيه و أبي موسى بن نصير
/ قال أبو عبيدة: و كان بين عبد اللّه بن يزيد بن أسد بن كرز و بين أبي موسى بن نصير كلام عند عبد الملك بن مروان. فقال له عبد اللّه: إنما أنت عبد لعبد القيس، فقال: اسكت،/ فقد عرفناك إن لم تعرف نفسك، فقال له عبد اللّه: أنا ابن أسد بن كرز، نحن الذين نضمن الشّهر [١]، و نطعم الدهر، فقال له: تلك قسر، و لست منهم، و إنّما أنت عبد آبق، قد كنت أراك تروم مثل ذلك، فلا تقدر عليه، ثم [٢] نفاه جرير بن عبد اللّه إلى الشام، فأقام بها مدة، ثم مضى إلى حبيب، فقال له: دع ذكر البحرين لفرارك، أتراك منهم و أنت عبد، و أهلك من يهود تيماء فأسكتهما عبد الملك، و لم يسرّه ما قال عبد اللّه لأبي موسى بن نصير، لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد يوم قتله، فقال في ذلك أبو موسى بن نصير:
جاريت غير سئوم في مطاولة
يا بن الوشائط من أبناء ذي هجر [٣]
لا من نزار و لا قحطان تعرفكم
سوى عبيد لعبد القيس أو مضر
تتوارث أسرته الكذب كابرا عن كابر
و قال أبو عبيدة: فأخبرني عبد اللّه بن عمر بن زيد الحكمي قال:
كان يزيد بن أسد يلقب خطيب الشيطان، و كان أكذب الناس في كل شيء معروفا بذلك، ثم نشأ ابنه عبد اللّه فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ خالد ففاق الجماعة إلا أن رئاسة و سخاء كانا فيه سترا ذلك من أمره.
قال عمر بن زيد: فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد اللّه أخو خالد بخبر المغيرة بن سعد و خروجه بالكوفة، فجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا بن أخي؟ قال إسماعيل بن عبد اللّه/ بن يزيد القسريّ. فقلت: يا بن أخي. لقد أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك [٤]. فجعل يضحك.
يطلب على المنبر أن يطعموه ماء
أخبرني اليزيديّ، عن سليمان بن أبي شيخ، عن محمد بن الحكم، و ذكره أبو عبيدة- و اللفظ له- قالا:
كان خالد بن عبد اللّه من أجبن الناس، فلما خرج عليه المغيرة عرف ذلك و هو على المنبر، فدهش و تحيّر، فقال: أطعموني ماء، فقال الكميت في ذلك، و مدح يوسف بن عمر:
[١] لعله يريد نضمن شهر السيوف عند الحرب، أو نضمن شهر اسم من نريد رفعته.
[٢] كان سياق الكلام يقتضى أن يقول: ثم نفاك ... الخ بكاف الخطاب، و لكن على الرواية التي بين أيدينا ينبغي أن نعيد ضمير نفاه إلى كلمة عبد من قوله «أنت عبد آبق» و قد يكون في العبارة خرم.
[٣] الوشائط: الدخلاء ينتمون إلى قوم ليسوا منهم.
[٤] يريد أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فهو من أسرة يجري الكذب في دمائها.