الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٣ - من شعره في تجواله
لعل البكا يا كأس إن نفع البكا
يقرّب دنيانا لنا فيعيدها
و كانت تناهت لوعة الودّ بيننا
فقد أصبحت يبسا و أذبل عودها [١]
/ و يروى: و قد ذاء عودها يقال: ذبل و ذأى و ذوى بمعنى واحد.
ليالي ذات الرمس لا زال هيجها
جنوبا و لا زالت سحاب تجودها [٢]
و عيش لنا في الدهر إذ كان قلبه
يطيب لديه بخل كأس و جودها [٣]
تذكّرت كأسا إذ سمعت حمامة
بكت في ذرا نخل طوال جريدها
دعت ساق حرّ فاستجبت لصوتها
مولّهة لم يبق إلا شريدها [٤]
فيا نفس صبرا كلّ أسباب واصل
ستنمي لها أسباب هجر تبيدها
قال أبو الحسن الأخفش:
ستنمي لها أسباب صرم تبيدها أجود.
و ليل بدت للعين نار كأنها
سنا كوكب للمستبين خمودها [٥]
فقلت: عساها نار كأس و علّها
تشكّى فأمضي نحوها و أعودها [٦]
فتسمع قولي قبل حتف يصيدني
تسرّ به أو قبل حتف يصيدها
كأن لم نكن يا كأس إلفى مودة
إذ الناس و الأيام ترعى عهودها
من شعره في تجواله
أخبرني عبد اللّه بن مالك النحوي، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال:
لما ضرب صخر بن الجعد الحدّ لكأس، و صارت إلى زوجها ندم على ما فرط منه،/ و استحيا من الناس للحدّ الذي ضربه، فلحق بالشام، فطالت غيبته بها، ثم عاد فمرّ بنخل كان لأهله و لأهل كأس، فباعوه، و انتقلوا إلى الشام، فمر بها صخر و رأى المبتاعين لها يصرمونها [٧]، فبكى عند ذلك بكاء شديدا، و أنشأ يقول:
[١] في هد، هج «زرعة» بدل «لوعة» و المعنى يستقيم على روايتها.
[٢] ليالي مضاف إلى الجملة بعدها، ذات الرمس: مكان. الهيج: الريح، يقول: إن زرعة الود كانت تناهت بينهما ليالي كانت تهب الريح فيها جنوبا، و كانت السحاب تمطر فيها، و السحاب يذكر و يؤنث.
[٣] عيش: معطوف على «ذات الرمس».
[٤] ساق حر: ذكر القماري، و في رواية «فاستحثت» و في الأصل «فاستحث» و في هد «فاستجبت» و هذا هو الذي نرجحه، يريد أن الحمامة دعت القمري فاستجبت أنا لندائها حال كونها مولهة ... الخ.
[٥] و ليل و اورب، و رابط جملة الخبر محذوف، تقديره بدت العين نار فيه. و في هج «لا تستبين» بدل «للمستبين» أي أنها نار لا ترى العين لها خمودا، بل هي متقدة دائما.
[٦] رفع «أمضى و أعود» لضرورة الشعر، فالقياس النصب.
[٧] صرم النخلة: جذها.