الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨١ - متمم العبدي و الجويرية
٣٣- متمم العبدي و الجويرية
أخبرني الحسين بن يحيى المراديّ عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: حدثني متمم العبديّ قال:
خرجت من مكة زائرا لقبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فإنى لبسوق الجحفة [١] إذا جويرية تسوق بعيرا، و تترنّم بصوت مليح طيّب حلو في هذا الشعر:
ألا أيها البيت الذي حيل دونه
بنا أنت من بيت و أهلك من أهل
بنا أنت من بيت و حولك لذّة
و ظلّك لو يسطاع بالبارد السهل
ثلاثة أبيات فبيت أحبّه
و بيتان ليسا من هواي و لا شكلي
فقلت: لمن هذا الشعر يا جويرية؟ قالت: أما ترى تلك الكوّة الموقّاة بالكلّة الحمراء؟ قلت: أراها، قالت:
من هناك نهض هذا الشعر، قلت: أو قائله في الأحياء؟ قالت: هيهات، لو أنّ لميّت أن يرجع لطول غيبته لكان ذلك، فأعجبني فصاحة لسانها ورقة ألفاظها، فقلت لها: أ لك أبوان؟ فقالت: فقدت خيرهما و أجلّهما، و لي أم، قلت: و أين أمّك؟ قالت: منك بمرأى و مسمع، قال: فإذا امرأة تبيع الخرز على ظهر الطريق بالجحفة، فأتيتها، فقلت: يا أمّتاه، استمعي مني،/ فقالت لها: يا أمّه، فاستمعي من عمّي ما يلقيه إليك، فقالت: حيّاك اللّه، هيه، هل من جائية خبر [٢]؟ قلت: أ هذه ابنتك؟ قالت: كذا كان يقول أبوها، قلت: أ فتزوّجينها؟ قالت: أ لعلّة رغبت فيها؟
فما هي و اللّه من عندها جمال، و لا لها مال، قلت: لحلاوة لسانها و حسن عقلها، فقالت: أيّنا أملك بها؟ أنا أم هي بنفسها؟ قلت: بل هي بنفسها، قالت: فإياها فخاطب، فقلت: لعلها أن تستحي من الجواب في مثل هذا، فقالت: ما ذاك عندها، أنا أخبر/ بها، فقلت: يا جارية، أ ما تستمعين ما تقول أمّك؟ قالت: قد سمعت، قلت: فما عندك؟ قالت: أ و ليس حسبك أن قلت: يا جارية، أ ما تستمعين ما تقول أمّك؟ قالت: قد سمعت، قلت: فما عندك؟ قالت: أ و ليس حسبك أن قتلت: إني أستحي من الجواب في مثل هذا، فإن كنت أستحي في شيء فلم أفعله؟ أ تريد أن تكون الأعلى و أكون بساطك، لا و اللّه لا يشدّ عليّ رجل حواءه و أنا أجد مذقة [٣] لبن أو بقلة ألين بها معاي، قال: فورد و اللّه عليّ أعجب كلام على وجه الأرض، فقلت: أو أتزوجك و الإذن فيه إليك، و أعطى اللّه عهدا أني لا أقربك أبدا إلا عن إرادتك؟ قالت: إذا و اللّه لا تكون لي في هذا إرادة أبدا، و لا بعد الأبد إن كان بعده بعد، فقلت: فقد رضيت بذلك، فتزوّجتها، و حملتها و أمّها معي إلى العراق، و أقامت معي نحوا من ثلاثين سنة ما ضممت عليها حواى قطّ، و كانت قد علقت من أغاني المدينة أصواتا كثيرة، فكانت ربما ترنّمت بها، فأشتهيها،
[١] الجحفة: قرية كانت على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل و هي ميقات أهل مصر و الشام.
[٢] تريد خبرا يجوب البلاد متنقلا.
[٣] مذقة: لبن مخلوط بالماء.