الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٤ - الكلاب تتغنى بشعره
من كلامهما شيئا، ثم جعل الكلب الداخل عليه يخبره عن طريقه بطول سفره، و قال له: هل عندك شيء تطعمنيه؟
قال: نعم، قد بقي لهم في موضع كذا و كذا طعام، و ليس عليه شيء [١]، فذهبا إليه، فكأني أسمع ولوغهما في الإناء حتى أكلا ما كان هناك فيه، ثم سأله نبيذا، فقال: نعم، لهم نبيذ في إناء آخر ليس له غطاء، فذهبا إليه فشربا.
الكلاب تتغنى بشعره
: ثم قال له: هل تطربني بشيء؟ قال: إي و عيشك، صوت كان أبو يزيد يغنيه، فيجيده، ثم غناه في شعر عبيد بن الأبرص.
صوت
طاف الخيال علينا ليلة الوادي
لآل أسماء لم يلمم لميعاد
أنّى اهتديت لركب طال سيرهم
في سبسب بين دكداك و أعقاد [٢]
قال: فلم يزل يغنيه هذا الصوت، و يشربان مليّا، حتى فني ذلك النبيذ، ثم خرج الكلب الداخل، فخفت و اللّه على نفسي أن أذكر ذلك لصاحب المنزل، فأمسكت، و ما أذكر أني سمعت أحسن من ذلك الغناء.
و مما يغنى فيه من شعره قوله:
صوت
لمن جمال قبيل الصّبح مزمومه
ميمّمات بلادا غير معلومه
فيهنّ هند و قد هام الفؤاد بها
بيضاء آنسة بالحسن موسومه
/ الغناء لابن سريج رمل عن يونس و الهشاميّ و حبش.
و منها [٣] قوله:
صوت
درّ درّ الشباب و الشعر الأس
ود و الضّامرات تحت الرّحال
فالخناذيذ كالقداح من الشّو
حط يحملن شكّة الأبطال [٤]
ليس رسم على الدّفين ببال
فلوي ذروة فجنبني أثال [٥]
[١] يريد أن هذا الطعام ليس في حرز.
[٢] تقدم هذان البيتان، نقول: و يبدو أن عبيد بن الأبرص كان رجل الخوارق، فقد رأينا فمه يحشى بالشعر، فيلهم الشعر و هو نائم، و رأينا الأفاعي تنشده الأشعار ثم ها هو ذا تتغنى بشعره الكلاب.
[٣] و منها: من الأغاني التي غنى بها من شعره، و ليس المراد أن ما يأتي تتمة الأبيات السابقة.
[٤] الخناذيذ: جمع خنذيذ: الشجاع البهمة من الفرسان، الشوخط: شجر صلب الألياف تتخذ منه القسى و القداح، أو هو ضرب من النبع، الشكة: ما يلبس أو يحمل من السلاح.
[٥] أثال: اسم جبل، و البيت لا يخلو من التواء، و الذي نراه أنه يريد أن يقول: إن منازل الأحياء تبلى، و لكن رسوم الموتى باقية، فلدى ذروة من الذرا، أو في جانب جبل أثال يكون دفني و دفن سواي، و هذه الأماكن لا يعفى عليها الزمن.