الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٥ - الدائرة تدور على قيس
/
دهمناهم بأرعن مكفهرّ
فظلّ لنا بعقوتهم زئير [١]
نقوم مارن الخطّيّ فيهم
يجيء على أسنّتنا الجزير [٢]
اليوم الرابع يوم عكاظ
ثم كان اليوم الرابع من أيامهم، يوم عكاظ، فالتقوا في هذه المواضع على رأس الحول، و قد جمع بعضهم لبعض، و احتشدوا، و الرؤساء بحالهم، و حمل عبد اللّه بن جدعان يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير. و خشيت قريش أن يجري عليها مثل ما جرى يوم العبلاء، فقيّد حرب و سفيان [٣] و أبو سفيان بنو أمية [٤] بن عبد شمس أنفسهم، و قالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا، و على أبي سفيان يومئذ درعان قد ظاهر بينهما [٥]، و زعم أبو عمرو بن العلاء أنّ أبا سفيان/ بن أمية خاصة قيّد نفسه، فسمّي هؤلاء الثلاثة يومئذ: العنابس- و هي الأسود واحدها عنبسة- فاقتتل الناس قتالا شديدا، و ثبت الفريقان، حتى همّت بنو بكر بن عبد مناة و سائر بطون كنانة بالهرب، و كانت بنو مخزوم تلي كنانة، فحافظت حفاظا شديدا، و كان أشدّهم يومئذ بنوا المغيرة، فإنهم صبروا، و أبلوا بلاء حسنا، فلما رأت ذلك بنو عبد مناة من كنانة تذامروا [٦] فرجعوا و حمل بلعاء بن قيس و هو يقول:
/
إنّ عكاظ مأوانا فخلّوه
و ذا المجاز بعد أن تحلوه [٧]
مبارزة يهزم فيها رئيس الأحابيش
و خرج الحليس بن يزيد [٨]: أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة- و هو رئيس الأحابيش يومئذ- فدعا إلى المبارزة فبرز إليه الحدثان بن سعد النصري، فطعنه الحدثان، فدق عضده و تحاجزا.
الدائرة تدور على قيس
و اقتتل القوم قتالا شديدا، و حملت قريش و كنانة على قيس من كل وجه [٩]، فانهزمت قيس كلها إلا بني نصر فإنهم صبروا، ثم هربت بنو نصر و ثبت بنو دهمان، فلم يغنوا شيئا، فانهزموا، و كان عليهم سبيع بن أبي ربيعة- أحد بني دهمان، فعقل نفسه و نادى: يا آل هوازن، يا آل هوازن، يا آل نصر! فلم يعرج عليه أحد، و أجفلوا منهزمين، فكرّ بنو أمية خاصة في بني دهمان و معهم الخنيسق و قشعة الجشميّان، فقاتلوا فلم يغنوا شيئا، فانهزموا.
[١] أرعن. يقال: جيش أرعن: عظيم جرار، العقوة: المكان المنفسح أمام المحلة.
[٢] مارن الخطى: الرماح اللدنة، الجزير: فعيل بمعنى مفعول من الجزر، و في رواية «الخرير» بالخاء: يعني خرير الدم المنبثق من أثر الطعنة.
[٣] ضبطنا سفيان بضمة واحدة على اعتبار أنه مأخوذ من السفي، فتكون نونه زائدة، و يصح اعتباره مأخوذا عن «السفون» فتكون نونه أصلية، و حينئذ لا يمتنع صرفه.
[٤] بنو أمية: نعت للأعلام الثلاثة السابقة.
[٥] ظاهر بينهما: جعل كلا منهما مقوية للأخرى.
[٦] تذامروا: حض بعضهم بعضا على القتال.
[٧] البيت من المنسرح، و هاء القافية في المصراعين ساكنة، و عكاظ و ذو المجاز: مكانان مشهوران في الجاهلية، و بكل منهما كانت تقام سوق للشعر و للتجارة.
[٨] في هد «الحليس بن زيد».
[٩] ف «من كل جانب».