الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٥ - أبو جبيلة يفتك باليهود
بالكاهنين قررتم في دياركم
جمّا ثواكم و من أجلاكم جدبا [١]
و قال العبّاس بن مرداس السّلمي يردّ على خوّات بن جبير لمّا هجاهم:
هجوت صريح الكاهنين و فيكم
لهم نعم كانت مدى الدهر ترتبا [٢]
عرب آخرون يلحقون بإخوانهم
فلما أرسل اللّه سيل العرم على أهل مأرب، و هم الأزد، قام رائدهم فقال: من كان ذا جمل مفنّ و وطب مدنّ و قربة و شنّ، فلينقلب عن بقرات النعم، فهذا اليوم يوم همّ [٣] و ليلحق بالثّنى من شنّ- قال و هو بالسراة- فكان الذين نزلوه أزد شنوءة، ثم قال لهم: و من كان ذا فاقة و فقر، و صبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ، فكان الذين سكنوه خزاعة، ثم قال لهم: من كان منكم يريد الخمر و الخمير، و الأمر و التأمير، و الديباج و الحرير، فليلحق ببصري و الحفير، و هي من أرض الشام، فكان الذين سكنوه غسّان ثم قال لهم: و من كان منكم ذا همّ بعيد و جمل شديد، و مزاد جديد، فليلحق بقصر عمان الجديد، فكان الذين نزلوه أزد عمان، ثم قال: و من كان يريد الرّاسخات في الوحل، المطمعات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكان الذين نزلوها الأوس و الخزرج، فلما توجهوا إلى المدينة و وردوها نزلوا/ في صرار [٤] ثم تفرقوا، و كان منهم من لجأ إلى عفاء [٥] من أرض لا ساكن فيه، فنزلوا به، و منهم من لجأ إلى قرية من قراها، فكانوا مع أهلها، فأقامت الأوس و الخزرج في منازلهم التي/ نزلوها بالمدينة في جهد و ضيق في المعاش، ليسوا بأصحاب إبل و لا شاة؛ لأن المدينة ليست بلاد نعم، و ليسوا بأصحاب نخل و لا زرع، و ليس للرجل منهم إلا الأعذاق [٦] اليسيرة، و المزرعة يستخرجها من أرض موات، و الأموال لليهود، فلبثت الأوس و الخزرج بذلك حينا.
أبو جبيلة يفتك باليهود
ثم إن مالك بن العجلان وفد إلى أبي جبيلة الغسّاني و هو يومئذ ملك غسان، فسأله عن قومه و عن منزلهم فأخبره بحالهم؛ و ضيق معاشهم، فقال له أبو جبيلة: و اللّه ما نزل قوم منا بلدا قط إلا غلبوا أهله عليه، فما بالكم؟
ثم أمره بالمضي إلى قومه، و قال له: أعلمهم أني سائر إليهم، فرجع مالك بن العجلان، فأخبرهم بأمر أبي جبيلة؛ ثم قال لليهود:
إن الملك يريد زيارتكم فأعدّوا نزلا فأعدّوه، و أقبل أبو جبيلة سائرا من الشام في جمع كثيف، حتى قدم المدينة، فنزل بذي حرض، ثم أرسل إلى الأوس و الخزرج، فذكر لهم الذي قدم له، و أجمع أن يمكر باليهود حتى يقتل رءوسهم و أشرافهم، و خشي إن لم يمكر بهم أن يتحصّنوا في آطامهم، فيمنعوا منه حتى يطول حصاره إياهم،
[١] جما ثواكم: كثيرة إقامتكم، و في هد، هج بدل المصراع الثاني:
«إذ فرقوا هام من أجلاكمو حدبا»
. [٢] ترتبا: أمرا ثابتا.
[٣] المفن: ذو الفن، فلعله يعني تفنن الجمل في ضروب السير. الوطب: الإناء يسقى فيه اللبن و غيره، و لعلها «و وطب و دن»، يوم هم: يوم همة و عزيمة.
[٤] صرار: موضع على قرب من المدينة.
[٥] عفاء: يباب.
[٦] الأعذاق: جمع عذق- بفتح العين- و هو النخلة بحملها.