الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠٠ - حوشب بن يزيد و عكرمة بن ربعي يتنازعان الشرف
فجدّ الحجاج في طلبه حتى ضاقت عليه الأرض، فأتى واسطا، و تنكّر، و أخذ رقعة بيده، و دخل إلى الحجّاج في أصحاب المظالم، فلما وقف بين يديه أنشأ يقول:
ها أنا ذا ضاقت بي الأرض كلّها
إليك و قد جوّلت كلّ مكان
فلو كنت في ثهلان [١] أو شعبتي أجا
لخلتك إلا أن تصدّ تراني
فقال له الحجاج: العديل أنت؟ قال: نعم، أيها الأمير، فلوى قضيب خيزران كان في يده في عنقه، و جعل يقول: إيه
بساط لأيدي الناعجات عريض
فقال: لا بساط إلّا عفوك، قال: اذهب حيث شئت:
حوشب بن يزيد و عكرمة بن ربعي يتنازعان الشرف
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش قال:
كان حوشب [٢] بن يزيد بن الحويرث بن رويم الشيبانيّ و عكرمة بن ربعيّ البكريّ، يتنازعان الشرف، و يتباريان في إطعام الطعام و نحر الجزر في عسكر مصعب،/ و كاد حوشب يغلب عكرمة لسعة يده. قال: و قدم عبد العزيز بن يسار مولى بجير- قال؛ و هو زوج أم شعبة الفقيه- بسفائن دقيق، فأتاه عكرمة فقال له؛ اللّه اللّه فيّ، قد كاد حوشب أن يستعليني، و يغلبني بماله، فبعني هذا الدقيق بتأخير، و لك فيه مثل ثمنه ربحا، فقال: خذه، و أعطاه إياه فدفعه إلى قومه، و فرّقه بينهم، و أمرهم بعجنه كلّه، فعجنوه كلّه، ثم جاء بالعجين كلّه، فجمعه في هوّة عظيمة، و أمر به، فغطّي بالحشيش، و جار برمكة [٣]، فقرّبوها إلى فرس حوشب، حتى طلبها، و أفلت، ثم ركضوها بين يديه و هو يتبعها، حتى ألقوها في ذلك العجين و تبعها الفرس، حتى تورّطا في العجين و بقيا فيه جميعا، و خرج قوم عكرمة؛ يصيحون في العسكر: يا معشر المسلمين ادركوا فرس حوشب،/ فقد غرق في خميرة عكرمة فخرج الناس تعجّبا من ذلك أن تكون خميرة يغرق فيها فرس، فلم يبق في العسكر أحد إلا ركب ينظر، و جاءوا إلى الفرس- و هو غريق في العجين ما يبين منه إلا رأسه و عنقه- فما أخرج إلا بالعمد و الحبال، و غلب عليه عكرمة، و افتضح حوشب، فقال العديل بن الفرخ يمدحهما، و يفخر بهما:
و عكرمة الفيّاض فينا و حوشب
هما فتيا الناس اللّذا لم يغمّرا
هما فتيا الناس اللذا لم ينلهما
رئيس و لا الأقيال من آل حميرا
قال: و في حوشب يقول الشاعر:
و أجود بالمال من حاتم
و أنحر للجزر [٤] من حوشب
[١] ثهلان: جبل لنمير.
[٢] في جمهرة الأنساب «هو حوشب بن ريط بن الحارث بن يزيد بن رويم».
[٣] الرمكة: الفرس و البرذونة تتخذ للنسل.
[٤] في ف: البزل جمع بازل: البعير القوى في تاسع سنيه..