الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٨ - يومان للمنذر بن ماء السماء
الشعر على السنة الأفاعي
و قرأت في بعض الكتب، عن ابن الكلبي، عن أبيه، و هو خبر مصنوع، يتبين التوليد فيه:
أنّ عبيد بن الأبرص سافر في ركب من بني أسد، فبيناهم يسيرون إذا هم بشجاع يتمعّك [١] على الرمضاء فاتحا فاه من العطش، و كانت مع عبيد فضلة من ماء ليس معه ماء غيرها، فنزل فسقاه الشجاع عن آخره حتى روي و انتعش، فانساب في الرمل، فلما كان من الليل، و نام القوم ندّت رواحلهم، فلم ير لشيء منها أثر، فقام كل واحد يطلب راحلته، فتفرقوا، فبينا عبيد كذلك؛ و قد أيقن بالهلكة و الموت إذا هو بهاتف يهتف به:
يا أيّها الساري المضلّ مذهبه
دونك هذا البكر منّا فاركبه [٢]
و بكرك الشارد أيضا فاجنبه
حتى إذا الليل تجلّى غيهبه [٣]
فحط عنه رحله و سيّبه
فقال له عبيد: يا هذا المخاطب، نشدتك اللّه إلّا أخبرتني: من أنت؟ فأنشأ يقول:
أنا الشّجاع الذي ألفيته رمضا
في قفرة بين أحجار و أعقاد [٤]
/ فجدت بالماء لما ضنّ حامله
و زدت فيه و لم تبخل بإنكاد
الخير يبقى و إن طال الزمان به
و الشرّ أخبث ما أوعيت من زاد [٥]
فركب البكر و جنب بكره، و سار فبلغ أهله مع الصبح، فنزل عنه، و حل رحله، و خلّاه، فغاب عن عينه، و جاء من سلم من القوم بعد ثلاث.
يومان للمنذر بن ماء السماء
أخبرني محمد بن عمران المؤدب و عمّي، قالا: حدثنا محمد بن عبيد: قال: حدثني محمد بن يزيد بن زياد الكلبي، عن الشرقي بن القطامي: قال:
كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد، أحدهما خالد بن المضلّل، و الآخر عمرو بن مسعود ابن كلدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحفر لكل واحد حفيرة بظهر الحيرة، ثم يجعلا في تابوتين، و يدفنا في الحفرتين، ففعل ذلك بهما، حتى إذا أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فندم على ذلك، و غمّه، و في عمرو ابن مسعود و خالد بن المضلل الأسديين يقول شاعر بني أسد:
[١] في ب «تجنى» بدل «تجلى».
[٢] يتمعك: يتمرغ في التراب، و يتقلب فيه.
[٣] كان القياس إسكان باء «فاركبه» لا ضمها.
[٤] الشجاع: الثعبان، رمضا: حار الجوف من شدة العطش، أعقاد: لعل المراد بها الأرض الكثيرة الشجر، و منه العقدة بهذا المعنى.
[٥] أوعيت: حملت في وعائك. نقول: و قد نسبوا الشعر إلى آدم أبي البشر، و إلى الملائكة، و إلى الشياطين، و ها هم أولاء ينسبونه إلى الثعابين.