الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١١ - تغنى بحضرة إسحاق و هي لا تعرفه
٢٠- أخبار عبيدة الطنبورية
نشأتها
كانت عبيدة من المحسنات المتقدّمات في الصنعة و الآداب يشهد لها بذلك إسحاق و حسبها بشهادته. و كان أبو حشيشة [١]، يعظّمها، و يعترف لها بالرئاسة و الأستاذية، و كانت/ من أحسن الناس وجها، و أطيبهم صوتا.
ذكرها جحظة في كتاب الطّنبوريين و الطّنبوريات، و قرأت عليه خبرها فيه فقال: كانت من المحسنات، و كانت لا تخلو من عشق، و لم يعرف في الدنيا امرأة أعظم [٢] منها في الطنبور، و كانت لها صنعة عجيبة، فمنها في الرمل:
كن لي شفيعا إليكا
إن خفّ ذاك عليكا
و أعفني من سؤالى
سواك [٣] ما في يديكا
يا من أعزّ و أهوى
ما لي أهون عليكا؟
تغنى بحضرة إسحاق و هي لا تعرفه
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال، لي عليّ بن الهيثم اليزيديّ:
كان أبو محمد- يعني أبي رحمه اللّه إسحاق بن إبراهيم الموصليّ- يألفني و يدعوني، و يعاشرني، فجاء يوما إلى أبي الحسن إسحاق بن إبراهيم فلم يصادفه، فرجع و مرّ بي، و أنا مشرف من جناح لي، فوقف و سلّم عليّ.
و أخبرني بقصته، و قال؛ هل تنشط اليوم للمسير إليّ؟ فقلت له: ما على الأرض [٤]/ شيء أحبّ إليّ من ذلك، و لكني أخبرك بقصتي، و لا أكتمك. فقال: هاتها، فقلت: عندي اليوم محمد بن عمرو بن مسعدة و هارون بن أحمد ابن هشام، و قد دعونا عبيدة الطّنبورية، و هي حاضرة، و الساعة يجيء الرجلان، فامض في حفظ اللّه، فإني أجلس معهم حتى تنتظم أمورهم، و أروح إليك، فقال لي: فهلّا عرضت عليّ المقام عندك؟ فقلت له: لو علمت أن ذلك مما تنشط له و اللّه لرغبت إليك فيه، فإن تفضّلت بذلك كان أعظم لمنّتك، فقال: أفعل، فإني قد كنت أشتهي أن أسمع عبيدة، و لكن لي عليك شريطة، قلت: هاتها، قال: إنها إن عرفتني و سألتموني أن أغنّي بحضرتها لم يخف عليها أمري و انقطعت فلم تصنع شيئا، فدعوها على جبلّتها [٥]، فقلت: أفعل ما أمرت به، فنزل و ردّ دابته و عرّفت صاحبيّ ما جرى، فكتماها أمره و أكلنا ما حضر، و قدّم النبيذ، فغنت لحنا لها تقول:
[١] هو محمد بن علي بن أبي أمية كان نديم الخلفاء و له كتاب في الطنبوريين أجاد فيه.
[٢] كذا في ف و هج و في النسخ الاخرى «أعطره».
[٣] ف «سؤال».
[٤] في هد «ما في الأرض».
[٥] في هد، هج، ف «على جملتها».