الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٩ - أسر بني قيس و بني هزان للحارث و حديثه معهم
بإغلاق [١]/ بكرة و عشرين من الشاء- ثم انطلقوا به إلى بلادهم. فقالوا له: من أنت؟ و ما حالك؟ فلم يخبرهم.
فضربوه ليموت فأبى. قال: و هو قريب من اليمامة. قال: فبينما [٢] هم على تلك الحال و هم يريغونه ضربا مرّة و تهدّدا أخرى و لينا مرّة ليخبرهم بحاله و هو يأبى، حتى ملّوه، فتركوه في قيده حتى انفلت ليلا، فتوجّه نحو اليمامة و هي قريب منه، فلقي غلمة يلعبون، فنظر إلى غلام منهم أخلقهم للخير عنده فقال: من أنت؟ قال: أنا بجير بن أبجر العجليّ، و له ذؤابة يومئذ و أمّه امرأة قتادة بن مسلمة الحنفيّ. فأتاه و أخذ بحقويه و التزمه و قال: أنا لك جار.
فيقال: إنّ عجلا أجارته في هذا اليوم لا في اليوم الأوّل الذي ذكرناه في أوّل الحديث. فأتى الغلام أباه فأخبره و أجاره و قال: ائت عمّك قتادة بن مسلمة الحنفيّ فأخبره؛ فأتى قتادة فأخبره فأجاره.
قال أبو عبيدة: و أمّا فراس [٣] فزعم أنه أفلت من بني قيس فأقبل شدّا حتى أتى اليمامة، و اتّبعوه حتى انتهى إلى نادي بني حنيفة و فيه قتادة بن مسلمة. فلمّا رأوه يهوي نحوهم قال: إنّ هذا لخائف، و بصر بالقوم خلفه فصاح به: الحصن الحصن! فأقبل حتى ولج الحصن. و جاءت بنو قيس، فحال دونه و قال: لو أخذتموه قبل دخوله الحصن لأسلمته إليكم، فأمّا إذ تحرّم بي فلا سبيل إليه. قال فقالوا: أسيرنا اشتريناه بأموالنا، و ما هو لك بجار و لا تعرفه، و إنما أتاك هاربا من أيدينا، و نحن قومك و جيرانك. قال: أمّا أن أسلمه أبدا فلا يكون ذلك، و لكن اختاروا منّي: إن شئتم فانظروا ما اشتريتموه به فخذوه منّي، و إن شئتم أعطيته سلاحا كاملا و حملته على فرس و دعوه حتى يقطع الوادي بيني و بينه ثم دونكموه. فقالوا: رضينا. فقال ذلك للحارث فقال نعم. فألبسه سلاحا كاملا و حمله على فرسه و قال له: إن أفلّتهم فردّ إليّ الفرس و السلاح لك. قال: فخرج، و تركوه حتى جاز الوادي،/ ثم اتّبعوه ليأخذوه، فلم يزل يقاتلهم و يطاردهم حتى ورد بلاد بني قشير، و هو قريب من اليمامة أيضا بينهما أقلّ من يوم. فلمّا صار إلى بلاد بني قشير يئسوا منه فرجعوا عنه. و عرفه بنو قشير فانطووا عليه و أكرموه. و ردّ إلى قتادة بن مسلمة فرسه و أرسل إليه بمائة من الإبل، لا أدري أ أعطاه إيّاها بنو قشير من أموالهم ليكافئ بها قتادة أم كانت له، لم يفسّر أبو عبيدة أمرها و لا سألته عنها. فقال الحارث بن ظالم في ابني حلاكة و هما من الذين باعوه من القيسيّين و فيما كان من أمره- قال أبو عبيدة: و يقال أسره راعيان من بني هزّان يقال لهما ابنا حلاكة-:
أبلغ لديك بني قيس مغلغلة
أنّي أقسّم في هزّان أرباعا
ابنا حلاكة باعاني بلا ثمن
و باع ذو آل هزان بما باعا
يا بني حلاكة لمّا تأخذا ثمني
حتّى أقسّم أفراسا و أدراعا
قتادة الخير نالتني حذيّته [٤]
و كان قدما إلى الخيرات طلّاعا
و قال في ذلك أيضا:
/
همّت عكابة أن تضيم لجيما [٥]
فأبت لجيم ما تقول عكابه
[١] أغلاق الرهن: إيجابه للمرتهن إذا لم يفك. و المراد هنا إعطاء من باعه بكرة و عشرين من الشاء.
[٢] جواب «بينما» في هذه الجملة لم يصرح به.
[٣] في «الأصول» هنا: «فراش» بالشين المعجمة و هو تصحيف. و فراس الذي يروى عنه أبو عبيدة هو أبو المختار فراس بن خندق القيسي.
[٤] الحذية: العطية.
[٥] لجيم: اسم القبيلة بضم اللام و فتح الجيم و سكون الياء؛ و بهذا لا يتزن الشعر. فلعل الشاعر تصرف فيه فشدد الياء.