الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٣ - رثاء زهير بن جذيمة لابنه شأس
استبان لزهير بن جذيمة أنّ رياحا ثأره قال يرثي شأسا:
رثاء زهير بن جذيمة لابنه شأس:
بكيت لشأس حين خبّرت أنّه
بماء غنيّ آخر اللّيل يسلب
لقد كان مأتاه الرّداه لحتفه
و ما كان لو لا غرّة اللّيل يغلب
فتيل غنيّ ليس شكل كشكله
كذاك لعمري الحين للمرء يجلب
سأبكي عليه إن بكيت بعبرة
و حقّ لشأس عبرة حين تسكب
و حزن عليه ما حييت و عولة
على مثل ضوء البدر أو هو أعجب
إذا سيم [١] ضيما كان للضيم منكرا
و كان لدي الهيجاء يخشى و يرهب
و إن صوّت الداعي إلى الخير مرّة
أجاب لما يدعو له حين يكرب [٢]
ففرّج عنه ثم كان وليّه
فقلبي عليه لو بدا القلب ملهب
و قال زهير بن جذيمة حين قتل شأس: شأس و ما شأس! و البأس و ما البأس! لو لا مقتل شأس، لم يكن بيننا بأس.
قال: ثم انصرف إلى قومه، فكان لا يقدر على غنويّ إلّا قتله.
قال عبد الحميد: فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا أو دية مع أخي شأس الحصين بن زهير بن جذيمة و الحصين بن أسيد بن جذيمة ابن أخي زهير. فقيل/ ذلك لغنيّ؛ فقالت لرياح: انج، لعلنا نصالح على شيء أو نرضيهم بدية و فداء. فخرج رياح رديفا لرجل من بين كلاب- و زعم أبو حيّة النّميريّ أنه من بني جعد [٣]- و كان معهما صحيفة فيها آراب [٤] لحم، لا يريان إلّا أنهما قد خالفا وجهة القوم، فأوجفا أيديهما في الصّحيفة فأخذ كل و اخذ منهما و ذرة [٥] ليأكلها، مترادفين لا يقدران على النزول. قال: فمرّ فوق رءوسهما صرد [٦] فصرصر، فألقيا اللحم و أمسكا بأيديهما و قالا: ما هذا! ثم عادا إلى مثل ذلك فأخذ كل واحد منهما عظما، و مرّ الصّرد فوق رءوسهما فصرصر؛ فألقيا العظمين و أمسكا بأيديهما و قالا: ما هذا! ثم عادا الثالثة فأخذ كل واحد منهما قطعة، فمرّ الصّرد فوق رءوسهما فصرصر، فألقيا القطعتين [٧]؛ حتى فعلا ذلك ثلاث مرات، فإذا هما بالقوم أدنى ظلم (و أدنى ظلم [٨] أي أدنى شيء) و قد كانا يظنّان أنهما قد خالفا وجهة القوم. فقال صاحبه لرياح: اذهب فإني آتي القوم أشاغلهم عنك و أحدّثهم حتى تعجزهم ثم ماض إن تركوني. فانحدر رياح عن عجز الجمل فأخذ
[١] سامه الأمر: كلفه إياه، و أكثر ما يستعمل في العذاب و الشر و الظلم.
[٢] يكرب: يصيبه الكرب و هو الحزن و الغم الذي يأخذ بالنفس.
[٣] لم نجد المظان «بني جعد». فلعله «من بني جعدة».
[٤] آراب لحم: قطع لحم. و في «الأصول»: «أداب لحم» و هو تحريف.
[٥] كذا في «ج». و الوذرة (بالفتح و يحرك): القطعة الصغيرة من اللحم لا عظم فيها، و قيل: هي ما قطع من اللحم مجتمعا عرضها بغير طول. و في «سائر الأصول»: «و ضرة» و هو تحريف.
[٦] الصرد. طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض و نصفه أسود، و هو من سباع الطير، ضخم المنقار عظيم البرثن، كانت العرب تتطير من صوته.
[٧] كذا في «ح». و في «سائر الأصول»: «العظمين».
[٨] في «الأصول»: «و أدنى ظلام» و ظاهر أنه تحريف؛ إذ هو ما قبله، و كرره المؤلف ليفسره.