الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٣ - خرج لغزو الشأم فباع حماره و أنفق ثمنه في الفجور ثم رجع مع الغازين
بئس الشّراب شرابا حين تشربه
يوهي العظام و طورا مفتر العصب
إنّي أخاف مليكي أن يعذّبني
و في العشيرة أن يزري على حسبي
/ فقال له الرشيد: أنت [١] و ما اخترت أعلم، فأعد الصوت، فأعاده. و أمر بإحضار المغنّين و استعاده، و أمرهم بأخذه عنه فأخذوه، و وصله و انصرف، و كان صوت الرّشيد أيّاما. هكذا ذكر إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبّة في هذا الخبر أنّ الأبيات للأقيشر، و وجدتها في شعر أبي محجن الثّقفيّ له لمّا تاب من الشّراب.
خرج لغزو الشأم فباع حماره و أنفق ثمنه في الفجور ثم رجع مع الغازين:
أخبرني عليّ بن سليمان قال/ حدّثنا أبو سعيد عن محمد بن حبيب قال:
كان القباع [٢]، و هو الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، قد أخرج الأقيشر مع قومه لقتال أهل الشّأم، و لم يكن عند الأقيشر فرس فخرج على حمار، فلمّا عبر جسر سورا [٣] فوصل لقرية يقال لها قنّين [٤] توارى عند خمّار نبطيّ يبرز زوجته للفجور، فباع حماره و جعل ينفقه هناك و يشرب بثمنه و يفجر إلى أن قفل الجيش، و قال في ذلك:
خرجت من المصر الحواريّ [٥] أهله
بلا ندبة فيها احتساب و لا جعل
إلى جيش أهل الشّأم أغزيت [٦] كارها
سفاها بلا سيف حديد و لا نبل
و لكن بترس ليس فيه [٧] حمالة
و رمح ضعيف الزّجّ متصدع النّصل
/ حباني به ظلم القباع و لم أجد
سوى أمره و السّير شيئا من الفعل
فأزمعت أمري ثم أصبحت غازيا
و سلّمت تسليم الغزاة على أهلي
و قلت لعلّي أن أرى ثمّ راكبا
على فرس أو ذا متاع على بغل
جوادي حمار كان حينا لظهره
إكاف و إشناق [٨] المزادة و الحبل
و قد خان عينيه بياض و خانه
قوائم سوء حين يزجر في الوحل [٩]
إذا ما انتحى في الماء و الوحل لم ترم
قوائمه حتّى يؤخّر بالحمل
أنادي الرّفاق بارك اللّه فيكم
رويدكم حتّى أجوز إلى السّهل
[١] الواو هنا بمعنى الباء، أي أنت أعلم بما اخترت.
[٢] راجع في «الأغاني» (ج ١ صفحة ١١٠ من طبعة دار الكتب المصرية) بعض سيرته و سبب تلقيبه بالقباع.
[٣] سورا (بالضم و القصر): قرية بالعراق من أرض بابل، و قد نسبوا إليها الخمر. و سوراء (بالضم و المدّ): موضع قرب بغداد، و قيل هو بغداد نفسها. و قد وردت هذه الكلمة في شعر الأقيشر الآتي ممدودة، فالظاهر أنه يريد الأخيرة، و يحتمل أن يكون أراد الأولى فمدها كما مدّها عبيد اللّه بن الحر في قوله:
و يوما بسوراء التي عند بابل
أتاني أخو عجل بذي لجب مجر
[٤] لم نهتد إلى هذه القرية في مظانها.
[٥] أي الصديق أهله.
[٦] في «الأصول»: «أغريت» بالراء المهملة. و هو تصحيف. و أغزاه: حمله على الغزو.
[٧] في «الأصول» «فيها».
[٨] كذا في «الأصول». و الذي في كتب اللغة أنه يقال شنق المزادة و أشنقها إذا أوكاها و ربطها. و البيت بعد ذلك غير واضح.
[٩] الوحل (بسكون الحاء): لغة قليلة في الوحل (بالتحريك).