الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٤ - خدعته امرأة بأنها أم حنين الخمار و أخذت منه درهمين، فأخذ يهجو أم حنين حتى استرضاه حنين
و لقد كان قبل إظهاره النّس
ك قديما من أظرف الفتيان [١]
شعر له في بغل أبي المضاء و كان يكتريه فيركبه إلى الحيرة:
و أخبرني أبو الحسن الأسديّ عن العنزيّ قال قال ابن الكلبيّ حدّثني سلمة بن عبد سواع [٢] عن أبيه قال:
كان الأقيشر لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم، يجعل درهمين في كراء بغل إلى الحيرة، و درهمين للشراب، و درهما للطعام. و كان له جار يكنى أبا المضاء له بغل يكريه، و كان يعطيه درهمين و يأخذ بغله فيركبه إلى الحيرة، حتى يأتي بيت/ الخمّار فينزل عنده و يربطه بلجامه و سرجه- فيقال إنه أعطى ثمنه في الكراء- ثم يجلس فيشرب حتى يمسي، ثم يركبه و ينصرف. فقال في ذلك:
يا بغل بغل أبي المضاء تعلّمن
أنّي حلفت و لليمين نذور
لتعسّفنّ [٣] و إن كرهت مهامها
فيما أحبّ و كلّ ذاك يسير
بالرغم يا ولد الحمار قطعتها
عمدا و أنت مذلّل مصبور
حتى تزور مسمّعا [٤] في داره
و ترى المدامة بالأكفّ تدور
لا يرفعون بما يسوؤك نعرة
و إذا سخطت فخطب ذاك صغير
خدعته امرأة بأنها أم حنين الخمار و أخذت منه درهمين، فأخذ يهجو أم حنين حتى استرضاه حنين:
قال: فأتى يوما من الأيّام بيت الحمّار الذي كان يأتيه فلم يصادفه فجعل ينتظره، و دخلت الدار امرأة عباديّة [٥]، فقال لها: ما فعل فلان؟ قالت: مضى في حاجة و أنا امرأته، فما تريد؟ قال: نبيذا. قالت بكم؟ قال:
بدرهمين. قالت: هلمّ درهميك و انتظرني. قال لا [٦]. قالت: فذلك إليك، و مضت و تبعها، فدخلت دارا لها بابان و خرجت من أحدهما و تركته. فلمّا طال جلوسه خرج إليه بعض أهل الدار، قالوا: و ما يجلسك؟ فأخبرهم. فقالوا له: تلك امرأة محتالة يقال لها أمّ حنين من العباديّين. فعلم أنه قد خدع، فانصرف إلى خمّاره فأخبره بالقصة و قال له: أنسئني [٧] اليوم فاسقني ففعل. و أنشأ الأقيشر يقول:
/
لم يغرّر بذات خفّ سوانا
بعد أخت العباد أمّ حنين
وعدتنا بدرهمين نبيذا
أو طلاء معجّلا غير دين
ثم ألوت بالدرهمين جميعا
يا لقومي لضيعة [٨] الدرهمين
[١] في «ح»: «في أظرف الفتيان». و في «أ، م»: «في أظهر الفتيان».
[٢] كذا في «ج». و في «سائر الأصول»: «عبد سراع» بالراء.
[٣] عسف المفازة: (بالتشديد) مثل عسفها و اعتسفها و تعسفها أي قطعها بغير قصد و لا هداية. و المهامة: جمع مهمه، و هو المفازة البعيدة و البلد القفر.
[٤] في «ج»: «سميعا». و يجب أن يكون مشدّد الياء ليستقيم الوزن، و إنما سمى العرب سميعا (وزان زبير).
[٥] عبادية: نسبة إلى العباد و هم قبائل شتى اجتمعوا على النصرانية بالحيرة.
[٦] يريد: لا أنتظر، أما الدرهما فيدل سياق الكلام على أنه أعطاهما إياها.
[٧] كذا في «ج». و الإنساء و النسيء: التأخير في الدين و في العمر. و في «سائر الأصول»: «أنشنى اليوم فامتعني».
[٨] كذا في «ج». و في «سائر الأصول»: «لصعبة الدرهمين» و هو تحريف.