الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٢ - تعرض له رجل من هجيم فهجاهم فاستكفوه فكف
قومهم أن يفضّلوا عليهم أحدا. قال لهم: فما/ فعل الأقيشر؟ قالوا: مات. قال: لم يمت، و لكنه مشتغل بعشقه، و ما أبعد أن يكون شاعركم إلّا أنه يضيع نفسه. أ ليس هو القائل:
يا أيّها السائل عمّا مضى
من علم هذا الزّمن الذاهب
إن كنت تبغي العلم أو أهله
أو شاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائها
و اعتبر الصاحب بالصاحب
سأل جارا له طحانا كان يقرض الناس فلم يعطه فقال فيه شعرا:
و ذكر عبد اللّه بن خلف عن أبي عمرو الشيبانيّ أنّ جارا للأقيشر طحّانا كان ينسئ [١] الناس يكنى أبا عائشة.
فأتاه الأقيشر يسأله فلم يعطه، فقال له:
يريد النساء و يأبى الرجال
فما لي و ما لأبي عائشه
أدام له اللّه كدّ الرّجال
و أثكله ابنته عائشه
فأعطاه ما أراد و استعفاه من أن يزيد شيئا.
تعرض له رجل من هجيم فهجاهم فاستكفوه فكف:
سخت من كتاب عبيد اللّه بن محمد اليزيديّ بخطّه: قال الهيثم بن عديّ حدّثني عطّاف بن عاصم بن الحدثان قال:
مرّ أعرابيّ من بني تميم كان يهزأ بالأقيشر، فقال له:
أبا معرض كن أنت إن متّ دافني
إلى جنب قبر فيه شلو المضلّل
فعلّي أن أنجو من النار إنّها
تضرّم للعبد اللئيم المبخّل
بذلك أوصاها الإله و لم تزل
تحشّ [٢] بأوصال و ترب و جندل
و أنت بحمد اللّه إن شئت مفلتي
بحزمك فاحزم يا أقيشر و اعجل
فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني تميم ثم أحد بني الهجيم بن عمرو بن تميم، فقال الأقيشر:
تميم بن مرّ كفكفوا عن تعمّدي
بذلّ فإنّي لست بالمتذلّل
أ يهزأ بي العبد الهجيميّ ضلّة
و مثلي رمي ذا التّدرأ [٣] المتضلّل
[١] ينسئ الناس: يريد ينسئ الناس الدين أي يقرضهم و يؤخرهم بالدين.
[٢] حش النار أوقدها. و الأوصال: المفاصل، واحدها وصل (بضم أوله و كسره و سكون ثانيه). و الوصل: كل عظم على حدة لا يكسر و لا يخلط بغيره و لا يوصل به غيره. و الجندل: الحجارة.
[٣] في «الأصول الخطية»: «ذا النذرا» بالنون و الذال المعجمة. و في «ب، س»: «ذا الناذر» و هما تحريف. يقال: فلان ذو تدرإ أي ذو حفاظ و منعة و قوّة على أعدائه و مدافعة، يكون ذلك في الحرب و في الخصومة. و المتضلل إن جعل وصفا لذي تدرإ كان جره للمجاورة؛ كما قال امرؤ القيس:
كأنّ ثبيرا في عرانين وبله
كبير أناس في بجاد مزمل
و إن جعل وصفا لتدرإ أي حفاظ و قوّة كان الوصف به على التجوّز، و يكون المعنى: و مثلي رمى ذا الحفاظ الأحمق العنيف.