الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٣ - مقتل توبة و سببه و كيف كان
و أخيل [١] عليهم من السّباع و الطير لا تأكلهم حتى أوذن قومهم بهم بعمق [٢]. فأقام توبة حتّى أتته الراوية قبل اللّيل، فسقاهم من الماء و غسل عنهم الدماء، و جعل في أساقيهم [٣] ماء، ثم خيّل لهم بالثّياب على الشجر، ثم مضى حتى طرق من اللّيل سارية بن عويمر [٤] بن أبي عديّ العقيليّ فقال: إنّا قد تركنا رهطا من قومكم بسمرات من قرون بقر، فأدركوهم، فمن كان حيّا فداووه، و من كان ميّتا فادفنوه، ثم انصرف فلحق بقومه. و صبّح/ سارية القوم فاحتملهم و قد مات ثور بن أبي سمعان و لم يمت غيره. فلم يزل توبة خائفا. و كان السّليل بن ثور المقتول راميا كثير البغي و الشرّ، فأخبر [٥] بغرّة من توبة و هو [٦] بقنّة من قنان الشّرف يقال لها قنّة بني الحميّر، فركب في نحو ثلاثين فارسا حتى طرقه؛ فترقّى توبة و رجل من إخوته في الجبل، فأحاطوا بالبيوت، فناداهم و هو في الجبل: ها أنا ذا من تبغون فاجتنبوا [٧] البيوت. فقالوا: إنكم لن تستطيعوه و هو في الجبل، و لكن خذوا ما استدفّ [٨] لكم من ماله، فأخذوا أفراسا له و لإخوته و انصرفوا. ثم إنّ توبة غزاهم، فمرّ على أفلت [٩] بن حزن بن معاوية بن خفاجة ببطن بيشة [١٠]. فقال: يا توبة أين تريد؟ قال: أريد الصبيان من بني عوف بن عقيل. قال: لا تفعل فإنّ القوم قاتلوك، فمهلا. قال: لا أقلع عنهم ما عشت، ثم ضرب بطن فرسه فاستمرّ به يحضر [١١] و [هو [١٢]] يرتجز و يقول:
تنجو إذا قيل لها يعاط [١٣]
تنجو بهم من خلل الأمشاط
حتى انتهى إلى مكان، يقال له حجر الرّاشدة، ظليل، أسفله كالعمود، و أعلاه منتشر، فاستظلّ فيه [هو [١٢]] و أصحابه. حتى إذا كان بالهاجرة مرّت عليه إبل هبيرة بن السّمين أخي/ بني عوف بن عقيل واردة ماء لهم يقال له طلوب، فأخذها و خلّى طريق راعيها، و قال له: إذا أتيت صدغ البقرة [١٤] مولاك فأخبره أنّ توبة أخذ الإبل، ثم انصرف توبة [يطرد الإبل [١٥]]. قال: فلمّا ورد العبد على مولاه فأخبره نادى في بني عوف و قال: حتّام هذا!.
[١] التخييل هنا: وضع خيال على الشيء لتفزع منه السباع، يقال: خيل له، و خيل عليه.
[٢] عمق: موضع. و في «مختار الأغاني»: «حتى أوذن قومهم يغمونهم».
[٣] الأساقي: جمع أسقية، و الأسقية: جمع سقاء (بالكسر) و هو وعاء الماء. فالأساقي جمع الجمع. و في «مختار الأغاني»: «و جعل لهم في أشنانهم ماء». و الأشنان: جمع شن، و هو القربة الخلق، و هي طيبة الماء لأنه ذهب منها ما يغير ماءها.
[٤] تقدم في صفحة ٢١١ «سارية بن عمير ...» و لم نهتد لوجه الصواب فيه.
[٥] كذا في «مختار الأغاني». و في «الأصول»: «و أخبر».
[٦] في «الأصول»: «و هم» و التصويب من «مختار الأغاني».
[٧] في «الأصول»: «هذا من تبغون فأجيبوا» و التصويب من «مختار الأغاني».
[٨] كذا في «ج». و استدف: تهيأ و أمكن. يقال خذ ما دف لك و استدف، أي خذ ما تهيأ و أمكن و تسهل. و في «سائر الأصول»: «ما استدنى».
[٩] في «الأصول»: «قلب بن حزن» و التصويب من «مختار الأغاني».
[١٠] في «الأصول»: «يبطن نفسه». و التصويب من «مختار الأغاني».
[١١] كذا في «ج» و «مختار الأغاني». و الإحضار؛ عدو سريع. و في «سائر الأصول»: «يخطر».
[١٢] زيادة عن «مختار الأغاني».
[١٣] في «الأصول»: «ينجو إذا قيل لهم معاط» و في «ج»: «يعاط» صحيحة. و التصويب من «مختار الأغاني». و قد وردت البيت فيه هكذا:
تنجو إذا قيل لها نعاط
تنجو و لو من خلل الأمشاط
و يعاط (وزان قطام): زجر للإبل، و يزجر به الذئب و غيره. و تنجو: تسرع.
[١٤] في «مختار الأغاني»: «ضرع البقرة».
[١٥] زيادة عن «مختار الأغاني».