الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٤ - غزوة حسان بن تبع لجديس و هروب الأسود و قتل طيئ له
جديسا ما سمعوا من قولها فقالوا: نطيعك، و لكنّ القوم أكثر و أحمى و أقوى. قال فإنّي أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم له جميعا. فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا و هم غارّون [١] فأهمدناهم بها. قالوا: نفعل.
فصنع طعاما كثيرا و خرج به إلى ظهر بلدهم، و دعا عمليقا و سأله أن يتغدى عنده هو و أهل بيته، فأجابه [٢] إلى ذلك و خرج مع أهله يرفلون في الحلي و الحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم و مدّوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم فشدّ الأسود على عمليق فقتله، و كلّ رجل منهم على جليسه حتى أماتوهم. فلمّا فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا. فقال الأسود في ذلك:
ذوقي ببغيك يا طسم مجلّلة
فقد أتيت لعمري أعجب العجب
إنّا أبينا [٣] فلم ننفكّ نقتلهم
و البغي هيّج منّا سورة الغضب
و لن يعود علينا بغيهم أبدا
و لن يكونوا كذى أنف و لا ذنب
و إن رعيتم لنا قربى مؤكّدة
كنّا الأقارب في الأرحام و النسب
غزوة حسان بن تبع لجديس و هروب الأسود و قتل طيئ له:
ثم إن بقيّة طسم لجئوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها و أخرب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق، فأقام بجبلي طيّىء قبل نزول طيئ إيّاهما. و كانت طيئ تسكن الجرف من/ أرض اليمن، و هو اليوم محلّة مراد و همدان، و كان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤيّ بن الغوث بن طيّىء، و كان الوادي مسبعة، و هم قليل عددهم، و قد كان ينتابهم بعير في أزمان الخريف و لم يدر أين يذهب و لم يروه إلى قابل، و كانت/ الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم [٤]، فاستوحشت طيّىء [٥] لذلك و قالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما همّوا بالظّعن قالوا لأسامة: إنّ هذا البعير يأتينا من بلد ريف و خصب، و إنّا لنرى في بعره النّوى. فلو أننا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لكنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على ذلك. فلمّا كان الخريف جاء البعير فضرب في إبلهم، فلمّا انصرف احتملوا و اتّبعوه يسيرون بسيره و يبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين. فقال أسامة بن لؤيّ:
اجعل ظريبا كحبيب ينسى [٦]
لكل قوم مصبح و ممسى
قال: و طريب [٧] اسم الموضع الذي كانوا ينزلون به. فهجمت طيئ على النخل في الشّعاب و على مواش
[١] الغارّ: الغافل: و أهمدنانهم: أمتناهم.
[٢] في «الأصول»: «فأجابهم».
[٣] كذا في «ج». و في «سائر الأصول»: «أتيتا».
[٤] كذا في «ج» و قد صححها كذلك المرحوم الشنقيطي في نسخته الخاصة من طبعة بلاق. و في «سائر الأصول»: «أيام الصرم» و هو تحريف.
[٥] في «الأصول»: «بلى» و التصويب من نسخة الشنقيطي.
[٦] كذا صححه المرحوم الشنقيطي في نسخته. و في «الأصول»: «جعلت طريفا كحب يبسا» و في «ج»: «ينسى» و هو تحريف. و في كتاب «صفة جزيرة العرب» لأبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني صفحة ٢٥٣ طبع مدينة ليدن سنة ١٨٨٤ م: «و طريب موضع طيئ الذي انتجعوا منه إلى الجبلين».
[٧] في «الأصول»: «و طريف» و هو تحريف كما تقدّم.