شرح المواقف - ايجى- مير سيد شريف - الصفحة ٢٧٦
(و أراد أن ملك الدنيا موروث) أي ينتقل من واحد الى آخر (فطلب) من ربه بعد ما شفى من مرضه الشديد (ملك الدين) الّذي لا يمكن فيه الانتقال فقوله ملكا لا ينبغى لاحد من بعدي أي ملكا لا يمكن أن ينتقل عني الى غيرى (و أراد الملك العظيم من القناعة) و ذلك ان الاحتراز عن لذات الدنيا مع القدرة عليها مما لا يمكن عادة فطلب الملك العظيم في الدنيا مع اشتغاله بطاعة ربه و عدم التفاته الى ذلك الملك العظيم ليعلم الناس ان زخارف الدنيا لا تمنع من خدمة المولى (و منه قصة يونس) عليه السلام فانه ذهب مغاضبا و ظن أن لن يقدر اللّه عليه و اعترف بكونه ظالما و الغضب ذنب و الشك في قدرة اللّه تعالى كفر و الظلم أيضا ذنب (و الجواب لعل غضبه كان على قوم كفرة) بالغوا في العناد و المكابرة حتى عيل صبره و لم يطلق المصابرة معهم فهذا غضب للّه على أعدائه فلا يكون ذنبا (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أن لن نضيق عليه) فانه مشتق من القدر كما في قوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ لا من القدرة (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ أي لنفسى بترك الاولى) فاعترافه بالظلم هضم للنفس و استعظام لما صدر عنها مبالغة في التضرع (وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ أي في قلة الصبر) على الشدائد و المحن لتناول أفضل الرتب و ليس معناه لا تكن مثله في ارتكاب الذنب (و منه قصة نبينا صلى اللّه عليه و سلم و الاحتجاج بها من وجوه الاول وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) و لا شك ان الضال عاص (الجواب انه قبل النبوة أو) أراد (ضالا في أمور الدنيا) و يجب حمله على هذا (لقوله تعالى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى) اذ المراد به نفي الضلالة و الغواية فى أمور الدين بلا شبهة فوجه التوفيق بينهما ما ذكرنا* (الثانى ما روى انه) عليه الصلاة و السلام لما أشد عليه اعراض قومه عن دينه تمنى أن يأتيه من اللّه ما يتقرب به إليهم و يستميل قلوبهم فأنزل اللّه عليهم سورة و النجم فلما اشتغل بقراءتها (قرأ بعد قوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى و منات الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى) فلما سمعه قريش
قلت يحتمل أن يكون مراده من قوله من بعدى من غيرى في زمانى و يقرب منه قول القاضى أي لا ينبغى لأحد أن يسلبه منى بعد هذه السلبة (قوله أو أراد ضالا في أمور الدنيا) قيل انه عليه السلام ضل في بعض شعاب مكة فرده أبو جهل الى عبد المطلب و قيل أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته و جاءت به على عبد المطلب و قيل ضل فى طريق الشام حين خرج به أبو طالب (قوله أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) هي أصنام كانت لهم و الثالثة و الاخرى صفتان للمناة و فائدتهما التأكيد كقوله يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ أو الاخرى من التأخر في الرتبة (قوله تلك الغرانيق العلى) الغرنيق بضم الغين المعجمة و فتح النون من طير الماء طويل العنق و اذا وصف به الرجال