العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٦٩
ومع ذلك ترى بعد الخمسين والمائة سنة ولم تعلُ أرضها شيئاً يدرك . ويُعرف ذلك بميزان الماء ، ويشهد لذلك أرض وادي مصر ، فإنّ الأطيان التي تكسبها من فيضان النيل في كلّ سنة لو لم تستوفها الزراعة والنبات بالنموّ لصارت على مرّ الدهور جبالا ، لكنّ مقياس النيل يبيّن أ نّها لا تعلو .
ولمّا انقطع عن بحيرة النجف مادّتها من الماء العذب صارت كلّما نقصت اشتدّت ملوحتها ، حتّى عَمِيَ بعض السمك الكبار ، وبعض فقدَ حسّه قبل موته ، فصارت السلاحف الكبار والصغار تهرب إلى البرّ تابعة نسيم الماء ، فماتت في عوالي الأرض عن البحيرة بنحو ميلين أو ثلاثة أو أربعة ، وانتشرت عظامها وأجزاؤها الصلبة تحت الرمال .
وقد شاهدنا الصبيان يجمعون من حوالي البحيرة المذكورة كتلات من الأصداف ، يصعدونها إلى البرّ ، ويبعثرونها في ملاعبهم خلال الرمال في مدى بعيد عن البحيرة يعلو عليها بنحو مائتي قدم .
وقد شوهد في بعض الأراضي المشتملة على طبقات متحجّرة في أثناء طبقات رمليّة سائلة ، أنّ المستحجرة إذا كسرت لدفن الموتى مثلا ودفنت بالرمل تعود إلى استحجارها الأوّل قبل مضيّ قرن[١] .
الثانية :
قال في كتاب الرحلة المدرسيّة :
إنّ الذي تساعد عليه التجربة والمشاهدة ، هو أنّ الأنواع لها بحسب العوامل العرضيّة سنّة التحسّن والانحطاط المحدودين بأن لا تخرج أفراد النوع عن صفته .
ومن جملة العوامل تأثيرات الصقع والغذاء والتربية وغير ذلك ، ومنها ما هو سريع التأثير ، ومنها ما يبطئ لأجل منازعته مع تأثير العامل الأوّل .
فإنّ النسل الزنجي إذا تحوّل إلى بلاد القوقاس يبطئ تحسّنه بمقتضى طبع الصقع إلى أجيال عديدة يتدرّج فيها بالتحسّن شيئاً فشيئاً ، وقد يكون أسرع من ذلك بواسطة التزاوج .
وكذا النسل القوقاسي إذا انتقل إلى بلاد الزنج ، فإنّه يبطئ انحطاطه التدريجي ، وقد يكون
[١]الموسوعة ج ٦ ، أنوار الهدى : ٤٦ ـ ٤٨ .