العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٢٣٥
وكيف يمكن أن ينطق بذلك مع أنّ البراهين على وجود الصانع العليم تنتهره ، وخصوص ما أشرنا إليه من البرهان يصيح به ويزجره : ما هي الطبيعة ؟ وهل في الموجودات الكونيّة العالميّة شيء زائد على كونها مسخّرة في وجودها وبقائها وشؤونها ومواليدها لأن تجري على القوانين الكلّيّة المقدّرة في التكوين ؟ تلك القوانين التي لا يعقل تقرّرها بغير تقرير عالِم بها وبتطبيقاتها ؟
أمّا أ نّه ليس في الموجودات الخارجيّة الكونيّة إلاّ أنّ إفراغها في قالب الإيجاز وطبعها في صحيفة الوجود على القوانين الكلّيّة المنتظمة جميع شؤونها ، قد صار منشأً لأن ينتزع العقل منها عنوان الجبلّة والطبيعة ، أي ما جبل وطبع عليه الموجود من القانون والنظام الكلّي من نشأته وأطواره ومواليده ، وأنّ وجوده وبقاءه وجميع شؤونه ومنشأ انتزاع الطبيعة إنّما هي من واجب الوجود الخالق العليم .
وقد أُوضح برهان ذلك بالبيان والنقض والإبرام من طريق الفطرة والعقل والمنطق في كتب العلماء ، وفي الجزء الثاني والثالث من الرحلة المدرسيّة[١] من كتب هذا العصر .
وكُتب أيضاً شيء من تحرير هذا العنوان في رسالة مفردة لم يتيسّر إلى الآن طبعها .
وقيل في ذلك أيضاً من جملة قصيدة طُبعت باسم الناظم لبعضها ، كما أُشير إلى ذلك باسمها وفي عنوانها :
| مَا هذِهِ الطَبِيعَةُ العَمْيَا الَّتِي | تَدُورُ فِي الكَلاَمِ مِنْ تَغَمْغُمِ |
| يُنْمى إلَيْها الكَوْنُ فِي تَعَلُّلِهِ | يا عَجَبَاً وَهْيَ إلَيْهِ تَنْتَمِي |
| طَبِيعَةُ الكائِنِ بِنْتُ كَوْنِهِ الـ | مَعْلُولِ لا كَالأبِ فِي التَقَدُّمِ |
| إنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنٌ فَلاَ طَبِيعَةٌ | فَالْجَأ لِما وَرَاءَها وَاعْتَصِمِ |
انتهى الجواب عن الأوّل .
[١]هنا تتجلّى عظمة البلاغي وتواضعه ; إذ لم يذكر أنّ هذا الكتاب من مؤلّفاته ، وهو " الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة " الذي أ لّفه في الردّ على النصارى وإثبات حقيقة الدين الإسلامي الحنيف وهو الجزء الخامس من الموسوعة .