العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ١٣٤
والاجتماع ، وندب إلى فضيلة العفو والصبر بالنحو الصالح ، فقال في الآية السادسة والعشرين بعد المائة من سورة النحل المكّيّة : ( وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ى وَ لَـلـِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـبِرِينَ ) .
وقال في الآية التاسعة والسبعين بعد المائة من سورة البقرة : ( وَ لَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَـأُوْلِى الاَْلْبَـبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
فإنّ قوله : ( حَيَوةٌ ) يستلفت العقول الغافلة إلى حكمة القصاص وشريعته ، وإنّه وإن كان إيلاماً للمعتدي لكنّه إيلام بحقّ ، وسبب لزجر الأشرار عن الجرأة على سفك الدماء البريئة والإفساد في حياة البشر ، فهو بهذه الحكمة حياة للبشر وروح لراحتهم في اجتماعهم ، فمِنَ الهيّن أن يموت شخص المعتدي الظالم أو يتأ لّم بشريعة القصاص ، كما يقطع العضو الفاسد حفظاً لحياة الإنسان من عدوى وباء دائه .
وقد جعل القرآن إيضاحه لهذه الحكمة الفائقة في شريعة القصاص بياناً ; لأنّ حسن العفو الخصوصيّ لا يصحّح إبطال هذه الشريعة الراجعة إلى نظم المجتمع الإنساني وحفظ حياته .
وقال القرآن في سورة البقرة أيضاً قبل الآية السابقة : ( يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الاُْنثَى بِالاُْنثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعُم بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـن ذَ لِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَ لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
فبيّن أنّ القصاص شرعٌ مكتوب ; لكي يقوم بحكمته ، ولأجل الرحمة والتخفيف بالنحو الذي لا يبطل حكمة تشريعه سوّغ لصاحب الحقّ تعليماً بكرم الأخلاق أن يعفو عن الجاني مطلقاً أو بالتنازل إلى الدية .
وقد أكّد القرآن ندبَهُ للإحسان بالعفو وكظم الغيظ ، ولكن كلّه بالنحو المعقول والطريقة المستقيمة ، فمن ذلك ذكر في أخلاق المتّقين وإحسانهم قوله : { وَالْكَـظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }[١] و[٢] .
[١]آل عمران ( ٣ ) : ١٣٤ . [٢]الموسوعة ج ٥ ، الرحلة المدرسيّة : ١٦٤ ـ ١٦٥ .