العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٣١١
والمترجم له كان عظيماً في جميع سيرته ، فقد ترفّع عن درن المادّة ، وتحلّى بالمُثل العليا التي أوصلته في الحياة ـ ولا شكّ بعد الممات ـ أرفع الدرجات .
فقد كنت أختلف عليه مع مَن يختلف من أصدقائه وتلامذته والمقتدين بآرائه الدينيّة ، فلم أجده إلاّ وهو يجيب على سؤال ، أو يحرّر رسالة يكشف فيها ما التبس على المراسل من شكّ ، أو يكتب في أحد مؤلّفاته .
وكان مثال الإمام المحقّ ، فهو جدّيٌّ لأبعد حدّ ، يمارس حاجياته بنفسه ، ويختلف على السوق بشخصه لابتياع ما هو مضطرّ إليه ، غير مبال بالقشور ، ولا محترم للأنانيّات والعناوين الفارغة . وقلّ مَن يستطيع تمييزه ممّن لا يعرفه ، فيتصوّرون عظيماً أو زعيماً دينيّاً حقّاً .
وكان يصلّي جماعة في الجامع المقابل القريب من داره ، يأتمّ به أفاضل الناس وخيارهم ، وبعد الفراغ من الصلاة كان يدرّس كتابه آلاء الرحمن في تفسير القرآن . وقد حضرتُ مع مَن حضرَ بُرهة من الزمن ، فإذا به بحر خضمّ لا ساحل له ، يستوعب الخاطرة ويحوم حول الهدف ، ويصوّر الموضوع تصويراً قويّاً .
والكتاب مع الأسف لم يكمل ، فقد وصل فيه إلى آخر سورة النساء ، وكنّا كثيراً ما نصارحه بقولنا : نرجو من الله أ يّها الشيخ أن يطيل عمرك لإكمال هذا التفسير ، وبعد ذلك لا يهمّنا بقيت أم لم تبقَ . فيقول : أنا متشائم في عدم إتمامي له .
ومَن نظر سيرة المترجَم له يجده قد تأثّر بسير الأولياء ، الذي جاؤوا ومضوا ولم يكن لهم من قصد سوى القيام بما يجب عليهم من خدمة البشر والعقل والحقّ .
وقد كان (قدس سره) مثال هذه السيرة التي تقمّصت الحقّ واستهدفت خدمته ، فقد تخصّص للدفاع عن الإسلام الذي سما على جميع الأديان ، وذبّ عنه أمام تيّار الغرب الجبّار الذي هجم عليه ، فكان يستمدّ الصمود من مبدئه ، والشجاعة من موجده . وقف وقفةً خلّدته في قلوب خصومه النصارى فضلا عن المسلمين ، وعرفته علماؤهم أكثر من معرفة أبناء وطنه له .
ابتعد عن حبّ الشهرة والمظاهر ابتعاداً غريباً ، حتّى أنّه كان لا يقبل أن يضع اسمه على كتبه ; لئلاّ يشمّ من ذلك التبجّح ، ولقد سُئل يوماً عن سبب ذلك فقال : المقصود من عملي إبراز الحقّ والدفاع عنه من أيّ طريق كان ، فلا فرق بين أن يكون قد جئت به أنا أو غيري ، فالغاية العمل .