العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ١١٤
وإنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك ، كما في قوله تعالى
في سورة الزمر : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَْنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَل مُّسَمًّى }[١] ألا ترى أ نّه لا يستقيم الكلام إذا قيل : الله يميت الأنفس حين موتها ؟ وكيف يصحّ أنّ التي لم تمت يميتها في منامها ؟!
وكما في قوله تعالى في سورة الأنعام : { وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ }[٢] فإنّ توفّي الناس بالليل إنّما يكون بأخذهم بالنوم ، ثمّ يبعثهم الله باليقظة في النهار ليقضوا بذلك آجالهم المسمّاة ، ثمّ إلى الله مرجعهم بالموت والمعاد .
وكما في قوله تعالى في سورة النساء : { حَتَّى يَتَوَفـهُنَّ الْمَوْتُ }[٣]; فإنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل : يميتهنّ بالموت .
وحاصل الكلام أنّ معنى " التوفّي " في موارد استعماله في القرآن وغيره ، إنّما هو أخذ الشيء وافياً ، أي تامّاً ، كما يقال : درهم واف[٤] .
الثالثة : لم يجعل العلاّمة البلاغي تفسيره هذا مادّةً لعرض آراء النحاة وبيان أوجه الإعراب المختلفة ، إلاّ أ نّه ـ بناءً على منهجه من اختصار المطالب ـ بيّن بعض وجوه الإعراب في الموارد الضروريّة ، إذ قال :
ومن ذلك كلمة " فِيهِ " من قوله تعالى في أوّل سورة البقرة : { ذَ لِكَ الْـكِتَـبُ لاَ رَيْبَ فِيهِ }[٥]; زعماً منهم أ نّها تكون خبراً مقدّماً لقوله تعالى : ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) ، ويقدّرون مثلها لقوله تعالى : ( لاَ رَيْبَ ) ، مع أنّ الوقف على " لاَ رَيْبَ " يجعل الكلام قلقاً مبتوراً ، بنحو لا يُجدي فيه التقدير ، ومع أ نّه لا حاجة لجعل الظرف خبراً مقدّماً لـ " هُدًى " وجملته تكون
[١]الزمر ( ٣٩ ) : ٤٢ . [٢]الأنعام ( ٦ ) : ٦٠ . [٣]النساء ( ٤ ) : ١٥ . [٤]الموسوعة ج ١، آلاء الرحمن ١ : ٧٨ ـ ٨٠ . [٥]البقرة ( ٢ ) : ٢ .