العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ١١٩
الثاني : الاكتفاء بمجرّد مراعاة العربيّة وقواعدها في النحو والصرف والوقف وغيرها وإن لم تكن القراءة موافقة لإحدى القراءات السبع أو العشر .
أمّا العلاّمة البلاغي فقد ذهب إلى تجويز القراءة وفق الرسم القرآني ، وأمّا ما خالفه منها فإنّها إن لم تكن باطلة جزماً فهي مورد شبهة وإشكال ، ولا يجوز ترك المتيقّن والأخذ بما هو مورد شكّ وريبة ، وقد بيّن رأيه هذا بشكل واضح إذ قال :
إنّ القراءات السبع ، فضلا عن العشر ، إنّما هي في صورة بعض الكلمات ،
لا بزيادة كلمة أو نقصها ، ومع ذلك ما هي إلاّ روايات آحاد عن آحاد ، لا توجب اطمئناناً ولا وثوقاً ، فضلا عن وهنها بالتعارض ، ومخالفتها للرسم المتداول والمتواتر بين عامّة المسلمين في السنين المتطاولة .
وإنّ كلاًّ من القرّاء هو واحد لم تثبت عدالته ولا ثقته ، يروي عن آحاد ، حال غالبهم مثل حاله ، ويروي عنه آحاد مثله ، وكثيراً ما يختلفون في الرواية عنه ، فكم اختلف حفص وشعبة في الرواية عن عاصم ، وكذا قالون وورش في الرواية عن نافع ، وكذا قُنْبُل والبِزِّي في روايتهما عن أصحابهما عن ابن كثير ، وكذا رواية أبي عمر وأبي شُعيب في روايتهما عن اليزيدي عن أبي عمر ، وكذا رواية ابن ذكوان وهشام عن أصحابهما عن ابن عامر ، وكذا رواية خَلَف وخلاّد عن سُلَيْم عن حمزة ، وكذا رواية أبي عمر وأبي الحارث عن الكسائي .
مع أنّ أسانيد هذه القراءات الأُحاديّة لا يتّصف واحد منها بالصحّة في مصطلح أهل السنّة في الإسناد ، فضلا عن الإماميّة ، كما لا يخفى ذلك على من جاس خلال الديار ، فيا للعجب ممّن يصف هذه القراءات السبع بأ نّها متواترة[١] !
هذا ، وكلّ واحد من هؤلاء القرّاء يوافق بقراءته في الغالب ما هو المرسوم المتداول بين المسلمين ، وربما يشذّ عنه عاصم في رواية شُعبة . إذن فلا يحسن أن يُعدل في القراءة عمّا هو المتداول في الرسم والمعوّل عليه بين عامّة المسلمين في أجيالهم إلى خصوصيّات هذه القراءات ، مضافاً إلى أ نّا ـ معاشر الشيعة الإماميّة ـ قد أُمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس[٢] ، أي
[١]انظر الإتقان في علوم القرآن ١ : ١٦٠ . [٢]الكافي ١ : ٩١ ، باب النسبة ، ح ٤ .