العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٣١٥
عرف من سبر الحالة الحاضرة ، وما نحن اليوم فيه من المأزق الحرج الذي يشوك سالكه أشواك الماديّة المتكدّسة ، ويصادفه سيل التبشير الأجنبي الجارف في ظلم من الأهواء حالكة ، وليل من الشبهات دامس .
هذا والمسيطر في كثيرين الجهل السائد ، والعَمه الشامل . يتخبّطون في تيه العمى ، ويرسفون في أصفاد من التقليد ، لا يشعر التائه في مفازة من غلوائه إلاّ والنكبات المبيدة تعوى عليه ( كجلمود صخر حطّه السيل من عل ) .
عرف السابر لهذا الغور وأحوال الرجال تجاه ذلك الضوضاء واللغط ، أنّ المشمر الوحيد لإنقاذ اُمّته ، والمجاهد الفذّ دون نجاح قومه ، ومحبّ الخير للبشر عامّة ، ومسدي معروفه إلى المجتمع بقلمه وفمه ، وما يملكه من منّة وجاه ، هو المجاهد البطل المعني بهذه الترجمة .
إنّ سالكي سنن الدعوة والإصلاح كثيرون، غير أ نّهم بين مَن له خطّة محدودة يقف عندها السعي ، أو أ نّه يرتئي الاجتزاء بما سلكه من خطوات يسيرة ، أو أ نّه رجل خائر القوى إذا افترع ربوة بلغ منه اللغوب ، أو لم تتح له المقادير أن يسعى كما يريد .
لكنّ شيخنا المترجم له ، هو الذي لا غاية لأمد جهاده ، ولا منتهى لدى إصلاحه ، لا تبرح كريمتاه شاخصتين إلى قومه من غير ما حدٍّ محدود ، ولا سعي مجذوذ .
هو الذي تمثّل مناضلا عن الدين ، وجلبة الضلال لها دويّها المرهب ، ولتيّار الدعاية الغربيّة خرير يصمّ المسامع .
إنّك لا تجد تحت القسطل الثائر بين تلك المصامع إلاّ هذا البطل العظيم ، شاكياً بسلاح قلمه ، ممتطياً جواد هممه ، يجبه زاحفة الأهواء ، ويجدل مرجفة التمويه .
شهيدي الله أنّي لا أبغي من القول شططاً ، غير أنّ الرجل نصب عيني ، والمزبر سادس أنامله ، والقرطاس أليف نهاره ، وسمير ليله . ها هو في حرّ النجف القائض ، وبرده القارص جليس حجرته ، لا همّ له إلاّ الأخذ بناصر الدين ، والنظر في صالح المسلمين بتأليف ، أو إفادة ، أو جواب عمّا تتوارد إليه من مختلف الأمصار من الأسئلة والشبهات ، ببيان واف عرفه منه كلّ أحد على الاُصول الصحيحة ، وموافقة المنطق ، غير متحرٍّ للتشدّق بسرد الألفاظ الفارغة ، والجمل المستعصية على الأفهام .
لم يبرح على ذلك حتّى تضاءلت قواه ، وضعفت باصرته على شيخوخة من عمره ، لكن