العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٢٣٧
فإنّهم عرفوا من التأريخ ما كان عليه (صلى الله عليه وآله) من ملكة الورع والصدق والأمانة وكرم الأخلاق ، فالتجأوا في تكذيب دعوته إلى ادّعائهم في بعض كلماتهم أ نّه (صلى الله عليه وآله) كان مُبتلى بمرض تشنّج الأعصاب الدماغيّة[١] ، فحدث من ذلك خيالات دعوى النبوّة والرسالة .
وكان أيضاً من تقلّب المعاندين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وشيطنتهم في وجوه تكذيبهم لدعوته وإقناع الناس في ذلك ، أن يُظهروا التورّع عن الجزم برمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفته خاصّة ممّا يبطل دعوته ، فيظهرون التردّد والاستفهام ويقولون : { أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةُ }[٢] كما في الآية الثامنة من سورة سبأ .
وهذه طريقة شيطانيّة خدّاعة يسلكها المعاندون ترويجاً لباطلهم في تكذيب المعروفين بالورع والصدق والأمانة . وقد أخبر القرآن الكريم بأنّ هذه الطريقة الشيطانيّة قد جرى عليها المعاندون في تكذيب الرسل منذ الزمان القديم :
ففي سورة الذاريات في تسلية رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن تكذيب المعاندين لدعوته : ( كَذَ لِكَ )أي كما فعل المعاندون في ترويجهم لتكذيب دعوتك الصالحة ، فإنّه ( مَآ أَتَى
[١]في هامش الرسالة : وقد بيّنّا في بعض مكتوباتنا بطلان ذلك من طريق الحسّ والتجارب والطبّ " منه (رحمه الله) " . ثمّ علّق الجرندابي على هذا الكلام قائلا : انظر كتاب " أنوار الهدى " ص ١١٦ ، طبعة النجف ١٣٤٠ هـ لكاتب المقالة ١ . قال الأُستاذ العلاّمة الدكتور محمّد حسنين هيكل في " حياة محمّد (صلى الله عليه وآله) " ص ٤٠ ، الطبعة الثانية في مصر : وتصوير ما كان يبدو على محمّد في ساعات الوحي على هذا النحو خاطئ من الناحية العلميّة أفحش الخطأ ، فنوبة الصرع لا تذر عند مَن تصيبه أيّ ذكر لما مرَّ به أثناءها ، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسياناً تامّاً ، ولا يذكر شيئاً ممّا صنع أو حلّ به خلالها ذلك ; لأنّ حركة الشعور والتفكير تتعطّل فيه تمام التعطّل . هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم ، ولم يكن ذلك ما يصيب النبيّ العربيّ أثناء الوحي ، بل كانت تتنبّه حواسّه المدركة في تلك الأثناء تنبّهاً لا عهد للناس به ، وكان يذكر بدقّة غاية الدقّة ما يتلقّاه وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه . هذا ، ثمّ إنّ نزول الوحي لم يكن يقترن حتماً بالغيبوبة الجسميّة مع تنبّه الإدراك الروحي غاية التنبّه ، بل كان كثيراً ما يحدث والنبيّ في تمام يقظته العاديّة ، وحسبنا أن نشير إلى ما أردنا في هذا الكتاب عن نزول سورة الفتح عند قفول المسلمين من مكّة إلى يثرب بعد عهد الحديبيّة . " الواعظ الجرندابي " . [٢]سبأ ( ٣٤ ) : ٨ .