العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٢٣٦
ـ الجواب عن السؤال الثاني ـ
إنّ من معلومات التأريخ ومسلّماته، هو أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان منذ حداثته معروفاً عند الناس بما امتاز به من الورع والصدق والأمانة والأخلاق الفاضلة ، وأذعنَ الناسُ بذلك حتّى أعداؤه، وكان ممتازاً بتسمية الناس له بالصادق الأمين. وكان المشركون حتّى بعد دعوته إلى الإسلام بعشر سنين يودعون عنده ذخائرهم النفيسة ; لأجل امتيازه عندهم بالصدق والأمانة.
وكان من جملة الأُمور المهمّة من تأخّر عليّ (عليه السلام) عن الهجرة في صحبته (صلى الله عليه وآله) ، هو ردّ الودائع التي كانت للمشركين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حينما فاجأه الوحي بأمر الله له بتعجيل الهجرة متخفّياً .
ولمّا كانت دعوته ثقيلة على أهل العناد ، حاولوا كلّ جهدهم صرف الناس عن تلك الدعوة الصالحة وصدّهم عن قبولها ، بما يروج عندهم ووجدوا أنّ غير المعاندين من المشركين لا يروح من أذهانهم رمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأ نّه مُفتر كاذب في دعوته ، مع ما عرفوه من امتيازه بالثقة والصدق والأمانة ، فالتجأ أهل العناد من أجل ذلك إلى أن يقولوا في تكذيب دعوته ودعواه الرسالة : إنّها إنّما هي من خيالات الجنون التي لا تنافي الملكة التي تجدونها منه (صلى الله عليه وآله) في الورع والصدق والأمانة .
واعتمدوا في ترويج ذلك على ما هو معروف عند الناس من أنّ خيالات الجنون لها أنحاء وشؤون مختلفة ، حتّى قيل : " إنّ الجنون فنون " . وقد وقع هذا الذي ذكرناه من كثير من كَتَبة النصارى المستشرقين كجرجيس سايل ، وجرجي زيدان[١] ، وجمعيّة كتاب الهداية ، وهاشم العربي ، وغيرهم .
[١]جرجي بن حبيب زيدان ، أديب مؤرّخ ، ولد في بيروت سنة ١٢٧٨ هـ ، وتوفّي في مصر سنة ١٣٣٢ هـ . درس في بيروت ، ثمّ سافر إلى القاهرة وأصدر فيها مجلّة الهلال لمدّة اثنتين وعشرين سنة ، له مصنّفات كثيرة منها : تأريخ مصر الحديث ، تأريخ التمدّن الإسلامي ، تأريخ العرب قبل الإسلام ، تأريخ الماسونيّة العامّ ، تأريخ اللغة العربيّة ، آداب اللغة العربيّة ، عجائب الخلق .