العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ٢٢١
طرقها منها إلى مكّة مغايرة كلّية ، بحيث لا يفضي إلى طريق الجحفة أو طريق العقيق ولو بعد ثلثي المسافة ، وأنّ المنشأ في الإحرام من المحاذاة هو عدم المرور بالميقات فيما بعد .
ولكنّ الاعتبار وظهور سوق الرواية يأبيان ذلك ، بل وإطلاق المغايرة لو أنّ الرواية ظاهرة بمغايرة الطريق إلى مكّة ، وإطلاق حكم المحاذاة من التقييد بالمنشأ المذكور .
أمّا الاعتبار ، فإنّ الطرق المألوفة المأهولة المأمونة والأبعد عن الوعورة ، والتي يمكن التبلّغ فيها من الماء وغيره ، بسبب المرور على المياه والقرى ووضع الأميال والمسالح ، إنّما هو طريقا الجحفة والعقيق .
وأمّا التقحّم في غيرها فلا يتيسّر إلاّ لنادر من البدو وفي نادر من الأيّام ، فيبعد حمل الرواية عليها لو اقتضاه لفظها .
وأمّا سوقها ; فلأنّ غير المذكور هو ما يخرج فيه من المدينة ويؤخذ في السير فيه ممّا لا يفضي إلى الشجرة ، فالمغايرة ظاهرة في كونها في الخروج والأخذ في السير المعتاد المفضي إلى الشجرة وأ نّه طريق واحد . ولا دلالة فيها على أنّ المراد من طريق المدينة ما كان إلى مكّة ، بل إفراد لفظه وتعدّد طرق المدينة المعتادة إلى مكّة ينافي ذلك ، ويقتضي أيضاً الظهور في طريقها إلى الشجرة .
وأمّا الإطلاق ، فإنّ الغيريّة تصدق على وجه الحقيقة لو سار نصف الطريق المألوفة إلى مكّة ، أو ثلثيها على غير طريق الجحفة أو طريق العقيق ثمّ عدل على أحدهما .
سلّمنا دلالة الصحيحة على أنّ الخارج من المدينة حكمه الإحرام من محاذاة الشجرة إذا لم يمرّ بالجحفة أو العقيق ، ولكن من أين لها الدلالة على أنّ كلّ مَن لا يمرّ بميقات يحرم من محاذاة الشجرة وإن كان على طريق الشام أو نجد ؟ !
وأين دلالة الصحيحة على أ نّهما يحرمان من أبعد المواقيت عن مكّة ؟ !
وقصارى دلالتها على أنّ مَن كان ميقاته الشجرة يحرم من محاذاتها ، لا لأ نّها أبعد المواقيت ، بل لأنّ الشجرة ميقات المدني وإن اتّفق كونها من حيث الوضع أبعدها .
وغاية ما يُستفاد من مناطها أنّ مَن لم يمرّ في طريقه على ميقاته الموظّف لجهته ،