العلاّمة البلاغي رجل العلم والجهاد - الحسّون، محمد - الصفحة ١١٦
فيما يُساوق استعمالهم للفظ " الخديعة " من الإنسان ; لإيصال الضرر المحرّم
إلى غيره ، وبذلك يكون قبيحاً ، لكنّ استعمال القرآن الكريم وبعض الموارد
يرشد إلى أنّ المكر : هو أعمال خفيّة على الغير في معاملته على غفلة
منه عنها .
وقد جاء في القرآن الكريم منسوباً إلى الله بدون مزاوجة ، كقوله تعالى في سورة الأعراف : { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَـسِرُونَ }[١] .
وقال الله هنا وفي سورة الأنفال : { وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـكِرِينَ }[٢] ، فأطلق لفظ "الماكر"
عليه جلّ شأنه وعلى غيره ، يعني الظالمين بلفظ واحد ، ولا يجوز استعمال اللفظ الواحد في المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معاً ، وعدم المجاز يأباه المقام .
وقد ورد في الدعاء في خطاب الله : " ولا تمكر بي في حيلتك "[٣] بدون مزاوجة .
وفي نهاية اللغة : وفي حديث الدعاء : " اللهمّ امكر لي ولا تمكر بي "[٤] .
وأمّا ما أسنده ابن بابويه عن الرضا (عليه السلام) من قوله : " إنّ الله لا يمكر ، ولكنّه يجازي على المكر "[٥] فإنّ في سنده جهالة وإهمال ، ويمكن أن يريد نفي المكر بالمعنى الذي يساوق الخديعة لإيصال الضرر القبيح كما ذكرناه ، وإلاّ فإنّ عرض الرواية على ما ذكرناه من القرآن كما أمرنا به أهل البيت يوجب الوثوق بعدم صدورها عنهم(عليهم السلام) [٦] .
وهناك صفة أُخرى اتّصف بها البلاغي في تعامله مع الروايات ، وهي الموضوعيّة والحياد ، إذ لا يهمّه أن تكون الرواية صادرة من طرقنا أو من طرق أبناء العامّة ، وإنّ صدورها من طرقنا لا يكون برهاناً قطعيّاً أو دليلا كافياً على صحّتها ، كما أنّ كونها
[١]الأعراف ( ٧ ) : ٩٩ . [٢]الأنفال ( ٨ ) : ٣٠ . [٣]مصباح المتهجّد : ٥٢٤ . [٤]النهاية في غريب الحديث والأثر ٤ : ٣٤٩ . [٥]عيون أخبار الإمام الرضا(عليه السلام) ١ : ١٢٦ / ١٩ . [٦]الموسوعة ج ١، آلاء الرحمن ١ : ٥٢٢ ـ ٥٢٣ .