دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٨٨ - باب وفد نجران
(١) فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن و الحسين في خميل له و فاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة و له يومئذ عدّة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد اللّه بن شرحبيل و يا جبار بن فيض قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه و أسفله لم يردوا و لم يصدروا إلا عن رأي، و إني و اللّه أرى أمرا مقبلا إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره و لا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة و إنّا لأدنى العرب منهم جوارا، و إن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عنّاه فلا يبقى على وجه الأرض منّا شعر و لا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم فقد وضعتك الأمور على ذراع، فهات رأيك، فقال: رأيي أن أحكّمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له:
أنت و ذاك.
فتلقى شرحبيل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، فقال: و ما هو؟ قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل و ليلتك إلى الصّباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لعل وراءك أحد يثرّب عليك! فقال شرحبيل: سل صاحبيّ فسألهما، فقالا له: ما ترد الوادي و لا تصدر إلا عن رأي شرحبيل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): كافر أو قال جاحد موفق.
[ ()] خطاب للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لزيادة الثبات أو لكل سامع. فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الآيات فأبوا أن يقرأوا. و في ذكر طلبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مباهلة أهل نجران بأمر اللّه تعالى و امتناعهم من ذلك قال اللّه سبحانه و تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي جادَلك من النصارى في عيسى من بعد ما جاءك من البينات الموجبة للعلم. فَقُلْ تَعالَوْا هلمّوا بالرأي و العزم نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منّا و منكم نفسه و عزة أهله و ألصقهم بقلبه أي المباهلة، و إنما قدم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم و يحارب دونهم، ثم نتباهل أي يلعن الكاذب منا، و البهلة بالضم [و الفتح] اللعنة و أصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار. «ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين» عطف فيه بيان.