دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧٤ - حديث كعب بن مالك و صاحبيه رضي اللّه عنهم
(١) تلك الغزوة، و اللّه ما اجتمعت عندي قبلها راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، و لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يريد غزوة يغزوها إلّا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حرّ شديد، و استقبل سفرا بعيدا و مغازا و عدوّا كثيرا فجلىّ للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم، و أخبرهم بوجهه الذي يريد، و المسلمون مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان [٢].
قال كعب: فما رجل يريد ان يتغيّب إلّا ظنّ أنه سيخص له ما لم ينزل فيه وحي من اللّه.
و غزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تلك الغزوة حين طابت الثمار و الظلال، فجهّز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون معه و طفقت [٣] أغدو لكي أتجهز معهم، و لم اقض شيئا، و أقول في نفسي: أنّا قادر على ذلك إذا أردته، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ، فأصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون معه و لم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو بيومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد ان فصلوا لأتجهّز، فرجعت و لم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت و لم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى اسرعوا و تفارط الغزو [٤]، و هممت أن أرتحل فأدركهم و ليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى الا رجلا مغموصا [٥] من النفاق، أو رجلا ممن عذر اللّه من الضعفاء، فلم يذكرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى بلغ تبوك، قال و هو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول اللّه! حسبه
[٢] و هو الكتاب الذي يجمع فيه الحساب، و هو معرّب، و قيل: عربي.
[٣] (طفقت): هو من أفعال المقاربة معناه: أخذت.
[٤] (تفارط الغزو): أي فات و سبق.
[٥] (مغموصا): أي مطعونا عليه في دينه، متهما بالنفاق و قيل معناه مستحقرا، تقول: غمصت فلانا إذا استحقرته.