دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥١ - باب نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمرّ الظهران و ما جرى في أخذ أبي سفيان بن حرب و حكيم ابن حزام و بديل بن ورقاء و إسلامهم و عقد الأمان لأهل مكة بما شرط و دخوله مع المسلمين مكة و تصديق اللّه تعالى ما وعد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) لكم [٣٩] أن ترسلوا الى هذا الأسد الضارب بذنبه [٤٠]، ثم أدلع [٤١] لسانه فجعل يحرّكه، فقال: و الذي بعثك بالحق! لأفرينهم به فري الأديم [٤٢]، فقال:
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها و إن لي فيهم نسبا حتى يخلص [٤٣] لك نسبي فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: يا رسول اللّه قد أخلص لك نسبك فو الذي بعثك بالحق لأسلّنّك منهم كما تسلّ الشعر من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يقول لحسّان ان روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن اللّه و رسوله.
و قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: هجاهم حسّان فشفى و اشتفى [٤٤].
قال حسان:
هجوت محمدا فأجبت عنه* * * و عند اللّه في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برّا حنيفا* * * رسول اللّه شيمته الوفاء [٤٥]
[٣٩] (لقد آن لكم) أي حان لكم.
[٤٠] (الضارب بذنبه) قال العلماء: المراد بذنبه، هنا، لسانه، فشبه نفسه بالأسد في انتقامه و بطشه إذا اغتاظ يضرب بذنبه جنبيه. كما فعل حسان بلسانه حين أدلعه، فجعل يحركه، فشبه نفسه بالأسد. و لسانه بذنبه.
[٤١] (أدلع لسانه) أي أخرجه عن الشفتين. يقال: دلع لسانه و أدلعه. و دلع اللسان بنفسه.
[٤٢] (لأفرينهم بلساني فري الأديم) أي لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد.
[٤٣] في صحيح مسلم: «حتى يلخّص لك نسبي».
[٤٤] (فشى و اشتفى) أي شفى المؤمنين و اشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار و مزقها و نافح عن الإسلام و المسلمين.
[٤٥] (هجوت محمدا برا تقيا) و في كثير من النسخ: حنيفا، بدل تقيا. فالبر الواسع الخير و النفع.
و هو مأخوذ من البر، بكسر الباء، و هو الاتساع في الإحسان. و هو اسم جامع للخير. و قيل:
البر، هنا، بمعنى المتنزه عن المآثم. و أما الحنيف فقيل هو المستقيم. و الأصح أنه المائل إلى الخير. و قيل الحنيف التابع ملة إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلّم).