دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٧ - باب نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمرّ الظهران و ما جرى في أخذ أبي سفيان بن حرب و حكيم ابن حزام و بديل بن ورقاء و إسلامهم و عقد الأمان لأهل مكة بما شرط و دخوله مع المسلمين مكة و تصديق اللّه تعالى ما وعد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) و أقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام و هي مسلمة يومئذ و كانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها، و امّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنّيه و تقرّب له حتى قدمت على ناس من عكّ، فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، و أدركت زوجها فلما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عكرمة وثب إليه فرحا و ما عليه ردأ حتى بايعه و أدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها و أسلم و دخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته، فارا فلامته و عجّزته و عيّرته بالفرار، فقال:
و أنت لو رأيتنا بالخندمه* * * إذ فرّ صفوان و فرّ عكرمه
و لحقتنا بالسيوف المسلمة* * * يقطعن كل ساعد و جمجمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
[ ()] غيره- ويحك!! أنظر من ترى؟ قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير بن وهب، و اللّه ما جاء إلّا يريد قتلي قد ظاهر علّي محمّدا، فلحقه فقال: يا أبا وهب جعلت فداك، جئت من عند أبرّ النّاس، و أوصل النّاس، فداك أبي و أمّي اللّه اللّه في نفسك أن تهلكها، هذا أمان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد جئتك به. قال: ويحك أغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان فداك أبي و أمي. أفضل النّاس و أبرّ النّاس و خير النّاس ابن عمّك، عزّه عزّك، و شرفه شرفك و ملكه ملكك، قال: إني أخافه على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك و أكرم، قال: و لا أرجع معك حتّى تأتيني بعلامة أعرفها، فقال: امكث مكانك حتّى آتيك به، فرجع عمير إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: إنّ صفوان أبى أن يأنس لي حتّى يرى منك أمارة يعرفها، فنزع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمامته فأعطاه إيّاها، و هي البرد الّذي دخل فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معتجرا به برد حبرة، فرجع معه صفوان حتّى انتهى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يصلّي بالمسلمين العصر في المسجد، فلمّا سلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صاح صفوان: يا محمد، إنّ عمير بن وهب جاءني ببردك، و زعم أنّك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا و إلا سيّرتني شهرين. فقال: «انزل أبا وهب» قال: لا و اللّه حتّى تبيّن لي قال: «بل لك تسيير أربعة أشهر» فنزل صفوان، و لمّا خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى هوازن و فرق غنائمها فرأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صفوان ينظر الى شعب ملآن نعما و شاء و رعاء، فأدام النّظر اليه، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يرمقه فقال: «يا أبا وهب يعجبك هذا الشّعب؟» قال: نعم قال: «هو لك و ما فيه» فقبض صفوان ما في الشّعب، و قال عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلّا نفس نبيّ أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أسلم مكانه