دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٥٠ - باب ما جاء في نعي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نفسه إلى الناس في حجة الوداع و ذلك حين نزل عليه قوله عزّ و جل
(١)
[ ()] أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. و هذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل.
و قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً قال: عمر بن الخطاب و ابن عباس هو أجل رسول اللّه نعي اليه.
و قال ابن عمر نزلت أوسط ايام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول اللّه أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها و نهاهم. الخطبة المشهورة كما تقدم. و
قال جابر رأيت رسول اللّه يرمي الجمار فوقف.
و قال: «لتأخذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا». و قال (عليه السلام) لابنته فاطمة كما سيأتي: «إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة و إنه عارضني به العام مرتين و ما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي».
و في صحيح البخاري من حديث أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال. كان رسول اللّه يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام فلما كان من العام الذي توفي فيه اعتكف عشرين يوما و كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه القرآن مرتين.
و قال محمد بن إسحاق رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته و المحرم و صفرا و بعث اسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشكواه الذي قبضه اللّه فيه الى ما أراده اللّه من رحمته و كرامته في ليال بقين من صفر او في أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ذلك فيما ذكر لي انه خرج الى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع الى اهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.
قال، ابن إسحاق:
و حدثني عبد اللّه بن جعفر عن عبيد بن جبر مولى الحكم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). قال بعثني رسول اللّه من
جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم. قال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك و بين لقاء ربي و الجنة. قال قلت: بأبي أنت و أمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا و الخلد فيها ثم الجنة. قال: لا و اللّه يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي و الجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدئ برسول اللّه وجعه الذي قبضه اللّه فيه لم يخرجه احد من اصحاب الكتب و إنما رواه احمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به