الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٩٧ - قوة الإسلام
و من الواضح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن لينقض العهد، و لا يباشر حربا مع أحد إلا إذا اضطرته الظروف و كان مع ذلك لين الطبع كريم النفس، قد بلغ الغاية من النبل و الأخلاق الكريمة، حتى أنزل اللّه فيه: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [١].
و بعبارة أخرى: إنه إنما اتخذ هذا الموقف من أجل أن يعيد إلى ذلك الرجل توازنه، و ليفهمه: أن الأمور أعمق و أخطر من أن يتلاعب و يستخف بها قاصرو النظر، الذين لا يشعرون بالمسؤولية، و لا يحسنون فهم الأمور.
و نقول: إن كلام مخشي بن عمرو لا يوحي بأنه كان في مقام الاستهزاء، غير أن من الواضح: أن هذا الرجل، كان يسعده أن يرى المسلمين و قد أبيدت خضراؤهم، و قتلت رجالهم، و سبيت نساؤهم، و لعله صدق ما بلغه من ذلك، ثم فوجئ بعكس ما كان يتوقعه و سمع به. فجاء ليعرف السر في ذلك، و كأنه كان على قناعة بأن مشركي مكة قادرون على ذلك، و أن المسلمين على درجة كبيرة من الضعف و الوهن في قبال المشركين.
و ربما يكون ما جرى في أحد، الذي لم ينقل إليه، و الى سائر الناس، في صورته الحقيقية قد عزز هذه القناعة لديه، لأنه إنما وقف على نتائج حرب أحد، و لم يعرف ملابساتها، و أنها لم تكن نتيجة ضعف حقيقي في عزيمة المسلمين، و لا لتخاذل منهم في ساحة الحرب و الجهاد، و بذل المهج، و خوض اللجج في سبيل اللّه سبحانه، كما أنه لم يكن لأجل قوة متميزة في
[١] سيرة المصطفى ص ٤٥٥.