الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٧٩ - الثالثة الخصاصة و الجوع
ثم نجد عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» خير من يتأسى برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يسير على نهجه، و ينسج على منواله. فإنه رغم أنه كان قد أنشأ-بكديده، و بعرق جبينه-الكثير من الضياع و البساتين، لكنه لم يكن يستفيد منها بتحسين وضعه المعيشي، و لا أحدثت تغييرا في حياته الخاصة، بل كان يتصدق بها و يوزعها على الفقراء و المحتاجين، و قد أوقف عامتها على جهات البر المختلفة، ثم لم يزل يلبس الخشن، و يأكل الجشب إلى أن توفاه اللّه سبحانه.
و حسبك ما كتبه لعثمان بن حنيف: يلومه على حضوره وليمة دعي إليها:
قال «عليه السلام» : «ألا و إن لكل مأموم إماما يقتدي به، و يستضيء بنور علمه، ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه، ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع، و اجتهاد، و عفة و سداد. فواللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادخرت من غنائمها وفرا، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، و لهي في عيني أوهى و أهون من غصة مقرة» [١].
إلى أن قال: «و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القز. و لكن هيهات أن يغلبني هواي، و يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، و لعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، و لا عهد له بالشبع.
أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى، و أكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:
[١] الأتان الدبرة: التي عقر ظهرها فقل أكلها. مقرة: مرة.