مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٠٩ - ٣٤ وصيَّته
كَرِيهَةٍ وفَضِيحَةٍ، ثمَّ لَم يَخلَصْ مِن دَهْرِهِ إلَّاعلى مَقْتٍ من اللَّه عز و جل، وذَمٍّ مِنَ النَّاسِ.
قَدْ خاطَرَ بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأيِهِ، ومَن اسْتقْبَل وُجوهَ الآراءِ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطا، مَن تَورَّطَ في الأُمورِ غَيْرَ ناظِرٍ في العَواقِبِ فَقَدْ تعرَّضَ لِمُفظِعاتِ النَّوائِبِ.
والتَّدبيرُ قَبْلَ العَمَلِ يُؤمِنكَ مِنَ النَّدمِ، والعاقِلُ مَن وعظَتْهُ التَّجارِبُ، وفي التَّجارِبِ عِلمٌ مُستَأنَفٌ، وفي تقلُّبِ الأحوالِ عِلمُ جواهِرِ الرِّجالِ، الأيَّامُ تَهتِكُ لَكَ عَنِ السَّرائِرِ الكامِنَةِ. تَفهَّمْ وَصيَّتي هذِهِ، ولا تَذهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً، فَإنَّ خَيْرَ القَوْلِ ما نَفَعَ.
اعْلَم يا بُنَيَّ، أنَّه لا بُدَّ لَكَ مِن حُسْنِ الارْتِيادِ، وبَلاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهرِ، فلا تَحْمِلْ علَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طاقَتِكَ، فيَكونَ علَيْك ثِقْلًا في حَشْرِكَ ونَشْرِكَ في القِيامَةِ، فَبِئْسَ الزَّادُ إلى المَعادِ العُدوانُ علَى العِبادِ.
واعْلَم أنَّ أمامَكَ مَهالِكَ ومَهاوِيَ وجُسوراً وعقبةً كئوداً، لا محَالةَ أنْتَ هابِطُها، وأنَّ مَهبِطَها إمَّا على جَنَّةٍ أو على نارٍ، فارتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْل نُزولِكَ إيَّاها، وإذا وجَدتَ مِن أهْلِ الفَاقَةِ مَن يَحمِلُ زَادَكَ إلى القِيامَةِ فيُوافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحتاجُ إليْهِ فاغْتَنِمْهُ وحَمِّلْهُ، وأَكثِرْ مِن تَزَوُّدِهِ وأنتَ قادِرٌ عَليْهِ، فلَعلَّكَ تَطلبُهُ فَلا تَجِدُهُ، وإيَّاكَ أنْ تَثِقَ لِتَحمِيلِ زَادِكَ بِمَن لا وَرَعَ لَهُ ولا أمَانَةَ، فَيَكونُ مَثلُكَ مَثلَ ظَمآنٍ رأى سَراباً حتَّى إذا جاءَ ه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً، فتبقى فِي القِيامَةِ مُنْقَطَعاً بِكَ».
وقال ٧ في هذه الوصيَّة:
«يا بُنَيَّ، البَغْي سَائِقٌ إلى الحَينِ [١]، لَنْ يهْلِكَ امرؤٌ عَرَفَ قَدرَهْ، مَن حَصَّن شَهْوتَهُ صَانَ قَدْرَهُ، قِيْمة كُلِّ امْرئٍ ما يُحْسِنُ، الاعتبار يفيدك الرَّشادَ، أشْرَفُ الغِنَى تَرْكُ المُنَى، الحِرصُ فَقْرٌ حاضِرٌ، المودَّةُ قِرابَةٌ مُسْتَفادةٌ، صَدِيقُكَ أخُوكَ لِأبِيكَ،
[١] الحَين: الهلاك و المحنة.