مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٠٧ - ٣٤ وصيَّته
يا بُنَيَّ، لا شَرَفَ أعلَى من الإسلامِ، ولا كَرَمَ أعَزُّ مِنَ التَّقوى، ولا مَعْقِلَ أحْرَزُ مِنَ الوَرَعِ، ولا شَفِيعَ أنْجَحُ مِنَ التَّوبَةِ، ولا لِباسَ أجْمَلُ مِنَ العَافِيَةِ، ولا وِقايَةَ أمْنَعُ مِنَ السَّلامَةِ، ولا كَنْزَ أغْنَى مِنَ القُنُوعِ، ولا مَالَ أذْهَبُ للفاقَةِ مِنَ الرِّضا بالقُوتِ، ومَن اقْتَصَرَ على بُلْغَةِ الكَفَافِ فَقَدْ انْتَظَم الرَّاحَةَ وتَبَوَّأ خَفضَ الدَّعَةِ، الحِرصُ داعٍ إلى التَّقحُّمِ في الذُّنوبِ.
ألْقِ عنْك وَارِداتِ الهُمُومِ بعَزَائِمِ الصَّبرِ، عَوِّد نَفْسَكَ الصَّبرَ، فَنِعْمَ الخُلُقُ الصَّبرُ، واحْمِلْها علَى ما أصابَكَ مِن أهْوَالِ الدُّنيا وهُمُومِها، فازَ الفَائِزُونَ، ونَجَا الَّذينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللَّهِ الحُسْنَى، فَإنَّهُ جُنَّةٌ من الفَاقَةِ، وألجِئْ نَفْسَكَ في الأمورِ كُلِّها إلى اللَّهِ الواحِدِ القَهَّارِ، فَإنَّكَ تُلْجِئُها إلى كَهفٍ حَصِينٍ، وحِرزٍ حَريزٍ، ومانِعٍ عَزيزٍ، وأخْلِص المسأَلةَ لِربِّكَ، فإنَّ بِيَدِهِ الخَيْرَ والشَّرَّ، والإعْطاءَ والمَنْعَ، والصِّلةَ والحِرمانَ».
وقال ٧ في هذه الوصيَّة:
«يا بُنَيَّ، الرِّزقُ رِزقانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُه ورِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فإنْ لمْ تَأتِهِ أتَاكَ، فَلا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ علَى هَمِّ يَوْمِكَ، وكَفاكَ كُلَّ يوْمٍ ما هُو فيْهِ، فإنْ تَكُن السَّنَةُ مِن عُمُرِكَ، فَإنَّ اللَّهَ عز و جل سَيأتِيكَ في كُلِّ غَدٍ بجَدِيدٍ ما قَسَم لَكَ، وإنْ لمْ تَكنِ السَّنَةُ مِن عُمُرِكَ فما تصنَعُ بِغَمِّ وهَمِّ ما لَيْسَ لَكْ؟ واعْلَم أنَّه لنْ يَسبِقَكَ إلى رِزقِكَ طالِبٌ، ولَنْ يغلِبَكَ علَيْهِ غالِبٌ، ولنْ يحتَجِبَ عَنْكَ ما قدِّر لَكَ، فكَم رَأيْتُ مِن طالِبٍ مُتعِبٍ نفْسَهُ مُقَتَّرٍ علَيْه رِزْقُهُ، ومُقْتَصِدٍ في الطَّلبِ قَدْ ساعَدَتهُ المَقادِيرُ، وكُلٌّ مَقرونٌ بهِ الفَناءُ، اليَوْمَ لَكَ وأنْتَ مِن بُلوغِ غَدٍ علَى غَيْرِ يَقينٍ، وَلَرُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيسَ بمُسْتدْبِرِهِ، ومَغْبوطٍ في أوَّل لَيْلَةٍ قامَ في آخِرِها بَواكِيْهِ، فلا يغرَّنَّكَ مِنَ اللَّه طُولُ حُلُولِ النِّعَمِ، وإبْطاءُ مَوارِدِ النِّقَمِ، فإنَّه لوْ خَشِيَ الفَوْتَ عاجَلَ بالعُقُوبَةِ قبْلَ المَوْتِ.