مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٠٨ - ٣٤ وصيَّته
يا بُنَيَّ اقْبَلْ مِنَ الحُكَماءِ مَوَاعِظَهم، وتدبَّر أحْكامَهم، وكُنْ آخَذَ النَّاسِ بما تَأمُر بِهِ، وأكفَّ النَّاسِ عَمَّا تَنْهَى عَنْهُ، وَأْمُر بالمَعروفِ تَكُن مِن أهلِهِ، فإنَّ اسْتِتمامَ الأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالَى الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ.
وتَفقَّه في الدِّينِ فَإنَّ الفُقَهاءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ، إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيْنارَاً ولا دِرْهَماً، ولكنَّهم ورَّثوا العِلْمَ، فمَن أخذَ مِنْهُ أخذ بَحَظٍّ وافرٍ، واعْلَم أنَّ طالِبَ العِلمِ يَسْتَغفِرُ لَهُ مَن فِي السَّماواتِ والأرضِ، حتَّى الطَّيرُ في جَوِّ السَّماءِ، والحُوتُ في البَحرِ، وأنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لِطالِبِ العِلْمِ رضىً بهِ، وفيْه شَرَفُ الدُّنيا والفوزُ بالجَنَّةِ يوْمَ القِيامَةِ، لأنَّ الفُقَهاء هُمُ الدُّعاةُ إلى الجِنانِ، والأدلَّاءُ علَى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالَى.
وأحْسِن إلى جَمِيعِ النَّاسِ كمَا تُحِبُّ أنْ يُحْسَنَ إليْكَ، وارضَ لَهُم ما تَرضاهُ لِنَفْسِكَ، واسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ ما تَسْتَقْبِحُهُ من غَيْرِكَ، وحَسِّن مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ خُلُقَكَ، حَتَّى إذا غِبتَ عنْهمُ حَنُّوا إليْكَ، وإذا مِتَّ بَكَوا عَلَيْكَ، وقالوا: إنَّا للَّهِ وإنَّا إليْهِ رَاجِعونَ، ولا تَكُن مِنَ الَّذِينَ يُقالُ عِنْدَ موْتِهِ: الحَمدُ للَّهِ ربِّ العالَمِينَ.
واعْلَم أنَّ رأسَ العَقْلِ بعْدَ الإيمانِ باللَّهِ عز و جل مُدارَاةُ النَّاسِ، ولا خَيْرَ فِيمَن لا يُعاشِرُ بالمَعرُوفِ مَن لا بُدَّ مِن معَاشَرَتِهِ حتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ إلى الخَلاصِ مِنْهُ سَبِيلًا، فإنِّي وجَدتُ جَمِيعَ ما يَتعَايشُ بِهِ النَّاسُ وبهِ يَتَعاشَرونَ مِل ءَ مِكْيالٍ ثُلْثاه استحِسانٌ، وَثُلثُهُ تَغافُلٌ.
وما خَلَق اللَّهُ عز و جل شَيئاً أحْسَنَ مِن الكَلامِ ولا أقْبَحَ مِنْهُ، بالكَلامِ ابْيضَّتِ الوُجُوهُ، وبالكَلامِ اسْوَدَّتِ الوُجُوهُ، واعْلَم أنَّ الكَلامَ في وثاقِكَ ما لَم تَتَكلَّم بهِ، فإذا تكلَّمتَ بهِ صِرْتَ في وَثاقِهِ، فاخزِنْ لِسانَكَ كمَا تَخْزِنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ، فإنَّ اللِّسان كَلْبٌ عَقُورٌ، فإنْ أنْتَ خلَّيتَهُ عُقِرَ، ورُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبتَ نِعمَةً، مَن سيَّبَ عِذارَهُ قادَهُ إلى كُلِ