موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٧
بِمَيسورٍ مِنَ القَولِ، قَد وَسِعَ النّاسَ مِنهُ خُلُقُهُ، وصارَ لَهُم أباً رَحيماً، وصاروا عِندَهُ فِي الحَقِّ سَواءً.
مَجلِسُهُ مَجلِسُ حِلمٍ وحَياءٍ وصِدقٍ وأمانَةٍ، لا تُرفَعُ فيهِ الأَصواتُ، ولا تُؤبَنُ[١] فيهِ الحُرَمُ، ولا تُنثى[٢] فَلَتاتُهُ، مُتَعادِلينَ، مُتَواصِلينَ فيهِ بِالتَّقوى، مُتَواضِعينَ، يُوَقِّرونَ الكَبيرَ ويَرحَمونَ الصَّغيرَ، ويُؤثِرونَ ذَا الحاجَةِ، ويَحفَظونَ الغَريبَ.
فَقُلتُ: كَيفَ كانَ سيرَتُهُ في جُلَسائِهِ؟
فَقالَ: كانَ دائِمَ البِشرِ، سَهلَ الخُلُقِ، لَيِّنَ الجانِبِ، لَيسَ بِفَظٍّ[٣] ولا غَليظٍ، ولا صَخّابٍ ولا فَحّاشٍ ولا عَيّابٍ، ولا مَزّاحٍ ولا مَدّاحٍ، يَتَغافَلُ عَمّا لا يَشتَهي، فَلا يُؤيَسُ مِنهُ ولا يَخيبُ فيهِ مُؤَمِّليهِ، قَد تَرَكَ نَفسَهُ مِن ثَلاثٍ: المِراءِ[٤]، وَالإِكثارِ، وما لا يَعنيهِ، وتَرَكَ النّاسَ مِن ثَلاثٍ: كانَ لا يَذُمُّ أحَداً، ولا يُعَيِّرُهُ، ولا يَطلُبُ عَثَراتِهِ ولا عَورَتَهُ، ولا يَتَكَلَّمُ إلّافيما رَجا ثَوابَهُ، إذا تَكَلَّمَ أطرَقَ جُلَساؤُهُ كَأَنَّما عَلى رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ[٥]، وإذا سَكَتَ تَكَلَّموا، ولا يَتَنازَعونَ عِندَهُ الحَديثَ، وإذا تَكَلَّمَ عِندَهُ أحَدٌ أنصَتوا لَهُ حَتّى يَفرُغَ مِن حَديثِهِ، يَضحَكُ مِمّا يَضحَكونَ مِنهُ، ويَتَعَجَّبُ مِمّا يَتَعَجَّبونَ مِنهُ، ويَصبِرُ لِلغَريبِ عَلَى الجَفوَةِ فِي المَسأَلَةِ وَالمَنطِقِ، حَتّى إن كانَ أصحابُهُ
[١]. لا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ: أي لا يُذكرن بقبيح( النهاية: ج ١ ص ١٧« أبن»).
[٢]. في المصدر:« لا تُثنى»، والصواب ما أثبتناه كما في سائر المصادر. و« لا تُنثى فلتاتُه»: أي لا تُشاعولا تُذاع. والفَلَتات: جمع فَلتة؛ وهي الزلّة. أراد أنّه لم يكن لمجلسه فلتات فتنثى( النهاية: ج ٥ ص ١٦« نثا»).
[٣]. رجل فَظٌّ: شديد غليظ القلب( المصباح المنير: ص ٤٧٨« فظظ»).
[٤]. المِراءُ: الجدال( النهاية: ج ٤ ص ٣٢٢« مرا»).
[٥]. كأنّما على رؤوسهم الطَّير: معناه أنّهم كانوا لإجلالِهم نبيّهم ٧ لا يتحرّكون، فكانت صفتهم صفةَ مَنعلى رأسه طائر يريد أن يصيده وهو يخاف إن تحرّك طار وذهب( مجمع البحرين: ج ٢ ص ١١٣٢« طير»).