موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٥
حَتّى إذَا استَهلَلتُ ناطِقاً بِالكَلامِ، أتمَمتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الإِنعامِ، فَرَبَّيتَني زائِداً في كُلِّ عامٍ، حَتّى إذا كَمُلَت فِطرَتي، وَاعتَدَلَت سَريرَتي، أوجَبتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَن ألهَمتَني مَعرِفَتَكَ، ورَوَّعتَني بِعَجائِبِ فِطرَتِكَ، وأنطَقتَني لِما ذَرَأتَ في سَمائِكَ وأرضِكَ مِن بَدائِعِ خَلقِكَ، ونَبَّهتَني لِذِكرِكَ وشُكرِكَ وواجِبِ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وفَهَّمتَني ما جاءَت بِهِ رُسُلُكَ، ويَسَّرتَ لي تَقَبُّلَ مَرضاتِكَ، ومَنَنتَ عَلَيَّ في جَميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ ولُطفِكَ.
ثُمَّ إذ خَلَقتَني مِن حُرِّ[١] الثَّرى، لَم تَرضَ لي يا إلهي بِنِعمَةٍ دونَ اخرى، ورَزَقتَني مِن أنواعِ المَعاشِ وصُنوفِ الرِّياشِ بِمَنِّكَ العَظيمِ عَلَيَّ، وإحسانِكَ القَديمِ إلَيَّ، حَتّى إذا أتمَمتَ عَلَيَّ جَميعَ النِّعَمِ، وصَرَفتَ عَنّي كُلَّ النِّقَمِ، لَم يَمنَعكَ جَهلي وجُرأَتي عَلَيكَ أن دَلَلتَني عَلى ما يُقَرِّبُني إلَيكَ، ووَفَّقتَني لِما يُزلِفُني لَدَيكَ، فَإِن دَعَوتُكَ أجَبتَني، وإن سَأَلتُكَ أعطَيتَني، وإن أطَعتُكَ شَكَرتَني، وإن شَكَرتُكَ زِدتَني، كُلُّ ذلِكَ إكمالًا لِأَنعُمِكَ عَلَيَّ، وإحسانِكَ إلَيَّ.
فَسُبحانَكَ سُبحانَكَ! مِن مُبدِئٍ مُعيدٍ حَميدٍ مَجيدٍ، وتَقَدَّسَت أسماؤُكَ، وعَظُمَت آلاؤُكَ، فَأَيُّ أنعُمِكَ يا إلهي احصي عَدَداً أو ذِكراً، أم أيُّ عَطاياكَ أقومُ بِها شُكراً، وهِيَ يا رَبِّ أكثَرُ مِن أن يُحصِيَهَا العادّونَ، أو يَبلُغَ عِلماً بِهَا الحافِظونَ! ثُمَّ ما صَرَفتَ ودَرَأتَ[٢] عَنِّي اللَّهُمَّ مِنَ الضُّرِّ وَالضَّرّاءِ أكثَرُ مِمّا ظَهَرَ لي مِنَ العافِيَةِ وَالسَّرّاءِ.
وأنَا أشهَدُ- يا إلهي- بِحَقيقَةِ إيماني، وعَقدِ عَزَماتِ يَقيني، وخالِصِ صَريحِ تَوحيدي، وباطِنِ مَكنونِ ضَميري، وعَلائِقِ مَجاري نورِ بَصَري، وأساريرِ
[١]. الحُرّ من الطين والرمل: الطيّب. وحرّ كلّ أرضٍ: وسطها وأطيبها( تاج العروس: ج ٦ ص ٢٦١« حرر»).
[٢]. الدَّرأُ: الدَّفع( الصحاح: ج ١ ص ٤٨« درأ»).