سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٣٠٤ - ذكر مناقب السادات المشايخ الذين أثنوا عليه الموعود بذكرهم رضي الله عنهم
بين الألفين البطائحي رضي اللّه عنه كان عظيم القدر كبير الشأن و إليه ينتمي أعيان مشايخ العراق و هو أول من أسس المشيخة بالعراق بعد انقراض مشايخ الرسالة و هو القائل من زار قبري أربعين أربعاء أوتي في آخرها براءة من النار و قال: أخذت من ربي عزّ و جلّ عهدا أن النار لا تحرق جسدا دخل حرمي هذا، و يقال: إنه ما دخل حرمه يعني تربته سمك و لا لحم إلا و لم ينضج بالنار لا طبخا و لا شيّا و تخرج بصحبته غير واحد من الأكابر مثل الشيخ محمد الشنبكي و غيره و انتمى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق و قال بإرادته جم غفير من ذوي الأحوال الفاخرة و تلمذ له خلق لا يحصون من أرباب المقامات الرفيعة و انعقد عليه الإجماع من المشايخ و العلماء بالتبجيل و التعظيم و الرجوع إلى قوله و المصير إلى حكمه و قصد بالزيارات مع النذورات من كل قطر و روى بالأمالي من كل جهة و أهرع إليه أهل السلوك من كل فج عميق و كان جميل الصفات شريف الأخلاق كامل الأدب كثير التواضع شديد الافتقار لأحكام الشرع مكرها لأهل السنة و الدين و له كلام عال في علوم المعارف. منه الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق و في قلوب الزاهدين بلسان التفصيل.
و في قلوب العباد بلسان التوفيق و في قلوب المريدين بلسان الذكر و في قلوب المحبين بلسان الشوق و الصحبة مع اللّه تعالى بحسن الأدب و دوام الهيبة و لزوم الطاعة و الصحبة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم باتباع سنته و معانقة العلم و الصحبة مع الأهل بحسن الخلق و الصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثما و الصحبة مع الجهال بدوام الدعاء لهم و الرحمة لهم و الجمع بالحق تفرقة من غيره و التفرقة عن غيره جمع به و من توصل بالوداد فقد صفا بين العباد و إذا كان الحق واحد يجب أن يكون طالبه واحدا في الذات و المشتاق من شأنه إيثار محبوبه و إن أفنته مشاهدته فتبدو له المعاني التي تعزب عن غيره فيشير إليهم الأزل بلسان الوداد إلي فيتنعمون بذلك ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء و الخوف يوصلك إلى اللّه تعالى و العجب يقطعك عنه و احتقارك الناس مرض لا عظيم لا يداوي.
و كان رضي اللّه عنه في أول حاله يقطع الطريق بالبطائح و معه رفقاء و هو مقدمهم فسمع ليلة امرأة تقول لزوجها أنزل ههنا لئلا يأخذنا ابن هوارا و أصحابه فاتعظ و بكى و قال الناس يخافونني و أنا لا أخاف اللّه تعالى و تاب في وقته و تاب معه أصحابه و انقطع مكانه متوجها إلى اللّه تعالى على قدم الصدق و الإخلاص في إرادته و لم يكن يومئذ بالعراق شيخ مشهور فرأى في منامه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أبا بكر الصديق رضوان اللّه عليه فقال: يا رسول اللّه ألبسني خرقة، فقال: «يا ابن هوارا أنا نبيك و هذا