سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٩٤ - المقالة التاسعة و العشرون في قوله صلى الله عليه و سلم «كاد الفقر أن يكون كفرا»
و تبخر، ثم ترفع إلى الملك الأكبر فتخاطب: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:
الآية ٥٤] فتؤانس و تلاطف، و تطعم من الفضل و منه تسقي و تقرب و تدني و تطلع على الأسرار و هي عنك لا تخفى فتغني بما تعطي من ذلك عن جميع الأشياء. ألا ترى إلى قراضة الذاهب متفرقة مبتذلة متداولة غادية رائحة في أيدي العطارين و البقالين و القصابين و الدباغين و النقاطين و الكناسين و الكفافين أصحاب الصنائع النفيسة و الرذيلة الدنية الخبيثة، ثم تجمع فتجعل في كير الصائغ فتذوب هناك بإشعال النار عليها، ثم تخرج منه فتطرق و ترقق و تطلع و تصاك فتجعل حليا، ثم تجلى و تطيب فتترك في خير المواضع و الأمكنة من وراء الأخلاق في الخزائن و الصناديق و الأحقاق و تحلى بها العروس و تزين و تكرم» و قد تكون العروس للملك الأعظم فتنقل القراضة من هذه إلى قرب الملك و مجلسه بعد السبك و الدق، هكذا أنت يا مؤمن إذا صبرت على مجاري الأقدار فيك و رضيت بالقضاء في جميع الأحوال قربت إلى مولاك عزّ و جلّ في الدنيا، فتنعم بالمعرفة و العلوم و الأسرار، و تسكن في الآخرة دار السلام مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين في جوار اللّه و داره و قربه عزّ و جلّ، فاصبر و لا تستعجل، و ارض بالقضاء و لا تتهم، فسينالك برد عفو اللّه و لطفه و كرمه بمنه تعالى.
المقالة التاسعة و العشرون في قوله صلى اللّه عليه و سلم: «كاد الفقر أن يكون كفرا»
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: «يؤمن العبد باللّه و يسلم الأمور كلها إليه عزّ و جلّ، و يعتقد تسهيل الرزق منه، و أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه، و يؤمن بقوله عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطّلاق: الآيتان ٢، ٣]، و يقول ذلك و يؤمن به و هو في حال العافية و الفناء ثم يبتليه اللّه عزّ و جلّ بالبلاء و الفقر فيأخذ في السؤال و التضرع فلا يكشفهما عنه، فحينئذ يتحقق قوله صلى اللّه عليه و سلم: «كاد الفقر أن يكون كفرا»[١] فمن تلطف اللّه به كشف عنه ما به فأدركه بالعافية و الغنى و يوفقه للشكر و الحمد و الثناء و يديم له ذلك إلى اللقاء و من يرد اللّه فتنته يديم بلاءه
[١] - رواه القضاعي في مسند الشهاب( ١/ ٣٤٢)، و أورد الحبار كفوري في تحفة الأحوذي( ٧/ ١٧)،( ١٠/ ٤٥)، و الحناوي في فيض القدير( ٤/ ٥٤٢، ٥/ ٤٥٨)، و العجلوني في كشف الخفاء( ٢/ ١٤١).